محمد أبو زهرة
1484
زهرة التفاسير
تعالى وعدم بيانه ؛ ولكن قال بعض العلماء : إن الغلول المنفى عن الأنبياء هو كتمان ما أنزل اللّه تعالى وعدم بيانه ؛ لأن الغلول المادي غير متصور الوقوع ، ولكن السياق لا يؤيد هذا المعنى ؛ لأن السياق كله فيما قبله وما بعده يدل على أنه في الحرب وما يتعلق بها من غنائم أغرت الرماة وأخرجتهم من محارسهم « 1 » ؛ ولما يجئ بعد ذلك من تعميم الحكم لكل من يغل غير الأنبياء من حيث إنه يأتي بما غل يوم القيامة ؛ ولذلك قال تعالى : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ . والمعنى أن من يخون في الغنائم أو غيرها بأن يكون ذا سلطان على مال ، فيخص نفسه منه بما شاء يأتي يوم القيامة مأخوذا بإثم ما غل يوم القيامة ، صغيرا كان أو كبيرا ، حقيرا كان أو خطيرا ، فالمراد على هذا التفسير من قوله سبحانه : بِما غَلَّ وزره ؛ وذلك كقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة ] فما يراه الإنسان يوم القيامة هو عمله المبرور وعمله الموزور ، وأما موضوع العمل فلا وجود له إذ هو يرى الوزر أو يرى البر . وظاهر كلام المفسرين أنه يرى ذات الشئ الذي غله ، لظاهر قول النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه الشيخان : « لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني ، فأقول له : لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني ، فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك . . » « 2 » فإن ظاهر هذا الحديث أن موضوع الغلول يجئ بذاته يوم القيامة ، ومثل ذلك ما روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من الغلول في جمع الصدقات ، فقد روى أن رجلا اسمه ابن اللتبية جمع الصدقات ، ثم قال : هذا لكم وهذا أهدى إلىّ ، فوقف النبي صلى اللّه عليه وسلم خطيبا ، وحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « ما بال العامل نبعثه ، فيجىء ، فيقول هذا لكم ، وهذا
--> ( 1 ) جمع محرس ، اسم مكان من « حرس » ، والجمع محارس ، أي : أماكن الحراسة . ( 2 ) رواه البخاري بنحوه : الجهاد والسير - الغلول وقول الله عزّ وجل وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ ( 2844 ) . ورواه مسلم : ك الإمارة - غلظ تحريم الغلول ( 1831 ) .