محمد أبو زهرة
1481
زهرة التفاسير
الإنسان ضعيفا مهما تكن قوته ، وإن استحقاق نصر اللّه يكون بأخذ الأهبة ومبادلة الرأي ، وتعرف أسباب النصر ، ثم التوكل على اللّه تعالى ، وتفويض الأمور إليه . وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أعد الأهبة أخذ يدعو اللّه تعالى بالنصر ، ويكرر هذه العبارة : « اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض » « 1 » . وإنه إذا فقد المؤمن نصر اللّه فلا ناصر له من غيره ، ولذلك قال سبحانه : وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ . أي إن يكتب اللّه سبحانه وتعالى لكم الخذلان ، ويحرمكم من معونته وتأييده ، فلا أحد ينصركم من بعده أي ممن هو دونه أو من بعد خذلانه ، لأنه لا أحد عنده قدرة تقف أمام قدرة اللّه تعالى ، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي ، وقد جاء النفي على صيغة الاستفهام ليوجه أنظار المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة اللّه تعالى الخذلان ، فإنهم سيبحثون عن قوى لا تكون قوته إلى بقاء ، ولن يجدوه ، فعندئذ يحكمون بأن اللّه وحده الكبير المتعال ، ولا ناصر سواه وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . أي عليه وحده لا على شئ سواه ، وأفاد ذلك تقديم عَلَى اللَّهِ أي أن المؤمنين لا يتوكلون إلا على اللّه سبحانه وتعالى فالاتكال عليه وحده ، والإيمان متلازمان لا ينفصلان ، فغير المؤمن يعتمد على الأشخاص الفانين ، أما المؤمن فلا يعتمد على أحد سوى اللّه تعالى ، والاتكال على اللّه من مقتضيات الإيمان باللّه وحده ؛ لأنه جزء من الوحدانية ، فالذين يعتمدون على غير اللّه من العباد يصيبهم نوع من الشرك الخفي ؛ لأنهم يفرطون في تقدير العباد ، بل قد تفرط منهم عبارات
--> ( 1 ) وذلك يوم بدر ، وقد رواه مسلم بنحوه في حديث طويل : الجهاد والسير ( 1763 ) ، والترمذي : تفسير القرآن - ومن سورة الأنفال ( 3006 ) عن عمر بن الخطاب عن ابن عباس رضي الله عنهم . كما رواه : مسند العشرة ( 203 ) .