محمد أبو زهرة

1470

زهرة التفاسير

ويصح أن تكون اللام للتعليل ، ويكون المعنى : أن اللّه سبحانه وتعالى خلق الكفار على هذه الأخلاق اليائسة ، أو قدر لهم هذه الأحوال المويسة ليلقى الحسرة في قلوبهم ، والغم في نفوسهم ، والضلال بهذه الأقوال في عقولهم . والحسرة هي الهم المعيى الكاشف للنفس الذي يلقى بالحزن المستمر فيها ، وقد قال الأصبهاني في هذه المادة : « الحاسر من لا درع له ، والحاسر المعيا لانكشاف قواه ، ويقال للمعيا حاسر ومحسور ، أما الحاسر فتصور أنه قد حسر بنفسه قواه ، وأما المحسور فتصور أن التعب قد حسره ، وقوله عزّ وجل : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( 4 ) [ الملك ] يصح أن يكون بمعنى حاسر وأن يكون بمعنى محسور ، وقال تعالى : فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) [ الإسراء ] ، والحسرة الغم على ما فاته ، والندم عليه ، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه ، وانحسرت قواه من فرط غم ، وأدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه ، قال تعالى : لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) [ الحاقة ] . ومن هذا يتبين أن معنى الحسرة يتضمن هما وحزنا وإعياء ، وتكشفا للآلام يلقى تشاؤما وارتياعا وانزعاجا مستمرا . والكلام السابق على أساس أن الحسرة نتيجة لقولهم واعتقادهم الفاسد ، ذلك أنها تلقى في قلوبهم ضعفا وألما ، فالسبب في الحسرة على هذا التوجيه من أنفسهم التي ركبها اللّه سبحانه وتعالى ذلك التركيب ، ويصح أن تكون الحسرة نتيجة للنهي ، وتكون اللام للتعليل ، ولا تصلح أن تكون للنتيجة والمآل ، ويكون المعنى على هذا : يا أيها المؤمنون لا تكونوا كالذين كفروا إذ يشغلهم الماضي ولا يفكرون في الحاضر ، بل اتخذوا من الماضي عبرة ، وفوّضوا الأمور إلى اللّه تعالى ليجعل اللّه لكم بهذا قوة ، ويكون ذلك حسرة في قلوب الكافرين ؛ إذ يرونكم مستبشرين بنعمة من اللّه وفضل دائما ، فلا تألمون لمن تفقدون ، ولا تتخاذلون بمن يقتلون من صفوفكم ، بل تأخذون الأهبة ، وتتقدمون طالبين الشهادة أو النصر المؤزر ، وذلك هو سبب الحسرة .