محمد أبو زهرة

1468

زهرة التفاسير

الماضي كفر باللّه ، وعدم تفويض إليه سبحانه ، وعدم إيمان بالمستقبل الذي يكون يوم القيامة ، ويكون الأمر فيه كله للّه تعالى ، وإن هذه الروح الدبرية هي روح الكافرين ، وقد نهى اللّه سبحانه عن أن يكونوا مثلهم ، فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ . . . . الخطاب واضح بأنه للمؤمنين الصادقي الإيمان ، وهو نهى عن التشبه بالذين كفروا ، في حالهم التي يبينها سبحانه وتعالى ، وفي التعبير بالذين كفروا إشارة إلى أن الجزع للحاضر أو الماضي ، والالتفات إلى الماضي ، والنظر إلى وجوب تغييره ، وقد سجل في الوجود ، وأصبح لا سبيل إلى تغييره ؛ لأن ما وقع لا يكون - كل هذا من شأن الكافرين الذين يأسرهم ما يقع ، ويتخذون « لو » التي هي سبيل الشيطان دائما وسواسا لنفوسهم ، يكررون ما كان يجب ، وقد وقع ما وجب ، والبصير الذي آتاه اللّه نعمة الهداية والتوفيق لا يفكر إلا فيما يجب في المستقبل على ضوء ما وقع في الماضي وصيغة النهى التي عبر بها سبحانه : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا تفيد تباعد ما بين المقامين : مقام الإيمان ، ومنزل الكفران ، وأنه لا يصح بالمؤمن أن ينزل إلى المرتبة الدون ، بعد أن علا بالإيمان إلى مقام الأعلين الأبرار ، وفي هذا تقبيح المنهى عنه بأبلغ تعبير ، وأرق تصوير ؛ إذ حسب الذين أهمتهم أنفسهم ، وقالوا عن إخوانهم في حال يأس مستول : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا . . . ( 154 ) [ آل عمران ] ، أن يكونوا في هذا كالذين كفروا ؛ إذ يوسوس إليهم الجزع بأن يقولوا مثل هذه المقالة - حتى يبتعد المؤمنون عنها ، ويجانبوها كل المجانبة ، والأمر نهى عن المماثلة فيما حكاه سبحانه يقول : وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا . ضربوا في الأرض معناها سافروا وأبعدوا في السفر ، ولم يكن سفرا قاصدا ، بل كان سفرهم فيه مشقة وجهد ، وتعرض فيه المسافر للأذى . وغزّى : جمع غاز ، كراكع وركّع ، وصائم وصوّم ، ونائم ونوّم ، وشاهد وشهّد ، وغائب وغيّب ، واللام في قوله تعالى : لِإِخْوانِهِمْ إما أن تكون دالة على موضع