محمد أبو زهرة

1458

زهرة التفاسير

ولا تتبعون غاية أيا كانت ، بل تضربون في الأرض وتخبطون خبط عشواء ، ولقد ذكر النتيجة الحتمية لهذا الاضطراب ، وهي الغم الشديد ، فقال تعالت كلماته : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ أثاب معناه أعاد وأعقب ما ارتكبوه كنتيجة غما بغم ، فمعنى الثوب عودة الشئ ورجوعه إلى الأمر الذي كان مقدرا له على أنه غايته ونتيجته ، والغم أصل معناه في اللغة التغطية ، ومنه غم الهلال إذا غطاه الغمام فلم ير ، والغمّ يطلق على الألم الذي يغطى العقل والإحساس والمشاعر ، والذي يكون الشخص معه في حال استسلام لا يدرى ما الخلاص منه ، فهو من الغمّة ، وقد جاء في أساس البلاغة : ( وأنه لفى غمة من أمره إذا لم يهتد للخروج منه ) . والباء في قوله تعالى : بِغَمٍّ يحتمل أن تكون للسببية ، ويحتمل أن تكون بمعنى ( على ) أو دالة على المصاحبة ، وعلى الأول يكون المعنى : أعقبكم اللّه تعالى غما بأن فاتكم النصر ، ونزلت بكم الجراح ، وقتل من قتل منكم بسبب الغم الذي أنزلتموه على الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالمخالفة وعصيان أمره ، وعلى الثاني يكون المعنى أعقب اللّه تعالى فيكم غما بعد غم أو غما مصطحبا بغم ، فقد أصابكم غم فوات الغنيمة ، وغم فوات النصر ، وغم الإرجاف بقتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وغم الاضطراب . وكان ترادف الغموم هذه كنتيجة لمخالفتكم الأولى له غاية ونتيجة مؤكدة إن اعتبرتم واتعظتم ، هو : ألا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر ، وما أصابكم من جراح وتقتيل ، بل تستحصدون العزائم ، وتتقون الخطأ من بعد . ويقول الزمخشري في تعليل ترتب عدم الحزن على ترادف الغموم : ( لكيلا تحزنوا : لتتمرنوا على تجرع الغموم ، وتضروا « 1 » باحتمال الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا مصيب من المضار ) ، وإن ما ذكرنا من ترتب عدم الحزن أظهر في نظرنا ، واللّه - سبحانه - أعلم بمراده .

--> ( 1 ) يقال : ضري الكلب وأضراه صاحبه أي عوّده وأغراه بالصيد ، ويجمع على ضوار . [ لسان العرب - باب الضاد - ضرا ] . والمقصود هنا أنهم يتدربون على احتمال الشدائد ومواجهة الصعاب ؛ فيصيرون شجعانا تشبيها لهم بالسباع الضارية .