محمد أبو زهرة
1450
زهرة التفاسير
الضلال ، ويجعلون اللّه مولاهم ، فإذا رأينا الحال قد تغيرت ، فليس ذلك لتغير سنة اللّه في خلقه ، ووعده لأنبيائه والصديقين معهم ، بل لتغير حال المؤمنين ، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ( 11 ) [ الرعد ] ولقد تنبأ صلى اللّه عليه وسلم بما آل إليه المسلمون ، وبين أن ذلك سببه الوهن الذي يتولد عن حب الدنيا ، وكراهية الموت ، وإنه عندما تصاب القلوب بهذه الإصابة ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه ينزع من قلوب أعدائهم المهابة منهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : « ولينزعن من قلوب عدوكم المهابة منكم » « 1 » . فإذا كنا نرى المؤمنين قد ألقى في قلوبهم الرعب بدل الكافرين ، فليس في هذا مخالفة لوعد اللّه ؛ لأن بعض المسلمين في هذه الأيام والوا الكافرين على المؤمنين ، وذلّوا تحت ولايتهم واستخذوا لهم واستعدوهم على أهل الإسلام ، فنزع اللّه المهابة من أهل الإيمان ، فكان ما كان ، وشرط إلقاء الرعب في قلوب الكافرين ألا نطيعهم ، فقد وقعنا إذن في المنهى عنه في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 149 ) [ آل عمران ] . ولقد أطعناهم وواليناهم دون المؤمنين ، ولم نتخذ اللّه مولى لنا ، فخسرنا خسرانا مبينا ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ المأوى اسم مكان من أوى يأوى وهو الذي يرجع إليه الشخص ويعود إليه ، ويقيم فيه إقامة طويلة ، والمثوى اسم مكان من ثوى يثوى أي أقام إقامة لا نهاية لها ، والمعنى أن الكافرين إذا ألقى اللّه في قلوبهم الرعب خسروا وباءوا بخسرانهم في الدنيا ، وليس لهم مأوى في الآخرة إلا النار ، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم ، وقد أظهر سبحانه وتعالى الاسم في موضع الإضمار ، فلم يقل تعالت كلماته : وبئس النار مثواهم ، بل
--> ( 1 ) رواه أبو داود ولفظه عن ثوبان قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها » فقال قائل : ومن قلّة نحن يومئذ ؟ قال : « بل أنتم يومئذ كثير ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل ، ولينزعنّ اللّه من صدور عدوّكم المهابة منكم ، وليقذفنّ اللّه في قلوبكم الوهن » فقال قائل : يا رسول اللّه وما الوهن ؟ قال : « حبّ الدّنيا وكراهية الموت » .