محمد أبو زهرة
1448
زهرة التفاسير
الرعب الخوف والانزعاج ، أو امتلاء النفس بالخوف والانزعاج ، حتى تضعف الجماعة مع وجود أسباب القوة ، وأصله من الملء مع الاضطراب ، يقال سيل راعب ، يملأ الوادي ويضطرب به ، ورعبت الحوض ملأته ، ومعنى إلقاء اللّه تعالى بث روح الخوف والفزع في قلوبهم ، وإن إلقاء اللّه تعالى الرعب في قلوب المشركين كانت له مظاهر شتى : منها أن يضع سبحانه وتعالى فيهم الفزع ، فيخافون عند النصر لهم من متابعته ، كما كان عقب أحد ، فإن المشركين سارعوا بالعودة وبينما هم في الطريق ندموا وقال قائلهم : بئس ما صنعنا ، قتلناهم حتى لم يبق منهم إلا الشريد ثم تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم ، ولما عزموا على ذلك ألقى اللّه في قلوبهم الرعب ، فانصرفوا لا يلوون على شئ ، ومن مظاهره النصر بالريح ، كما كان في غزوة الأحزاب ، فقد جاءت إلى المشركين ريح شديدة قذفت في قلوبهم الرعب ، فعادوا ولم ينالوا شيئا ، وقال تعالى في ذلك : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) [ الأحزاب ] . وقد روى في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس جميعا » « 1 » . وقد ذكر سبحانه وتعالى السبب في إلقاء الرعب في قلوب أعداء أهل الإيمان فقال سبحانه وتعالى : بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً والسلطان هنا هو الحجة والدليل ، كما قال تعالى : الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ . . . ( 35 ) [ غافر ] ، وكما قال تعالى : فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 10 ) [ إبراهيم ] ، وقال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) [ هود ] .
--> ( 1 ) سبق تخريجه ، ومسلم : المساجد ومواضع الصلاح ( 525 ) .