محمد أبو زهرة
1442
زهرة التفاسير
الثالث : طلب النصر على الكافرين ، وهو غاية القتال ؛ لأن الانتصار عليهم رفع لاعتدائهم ، وتمكين لأهل الإيمان في الأرض ، ومنع للفتنة في الدين ، وإزالة الحواجز التي تحول بين النبي ودعوته ، وذلك نصر لحق اللّه تعالى . فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنهم بسبب ذلك الصبر والاطمئنان نالوا جزاء الدنيا وثوابها بالنصر والغنيمة وجعل كلمة اللّه تعالى هي العليا ، ومكن لهم في الأرض ، وبسبب هذا أيضا نالوا حسن ثواب الآخرة ، أي نالوا النعيم المقيم ، وجنات عدن ، وما فيها مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ونالوا ما هو أعلى من ذلك وهو رضا اللّه تعالى ثم محبته ، وهي أعلى الدرجات ، ووصف ثواب الآخرة بالحسن ؛ لأنه الثواب الذي لا يعكره معكر ، ولا تكليف فيه ، ولا مشقة تحتمل في سبيله ، فهو حسن بإطلاق ، وأما ثواب الدنيا فحسنه إضافى إذ فيه تكليفات ومشقات ، إذ الدنيا قد اختلط حلوها بمرها ، وسراؤها بضرائها ، وشقاؤها براحتها ، ولذلك كان ثوابها غير حسن إلا حسنا إضافيا نسبيا ، أما ثواب الآخرة فحسن باستمرار وإطلاق وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . ذيّل اللّه سبحانه وتعالى الآية التي تتعلق بالجزاء بأعظم جزاء وهو محبته الكريمة ، وأشار إلى أن هؤلاء الربانيين قد استحقوه بسبب إحسانهم وإتقانهم لما عملوا وما جاهدوا فيه ، وصبرهم في الشدائد والمكاره ، وتلقيهم للأحداث بجنان ثابت وقلب رابط . وإننا نجد أن اللّه تعالى وصف المؤمنين بثلاث صفات ، وكل واحدة منها قد استحقت جزاء ، فالوصف الأول أنهم شاكرون ، فقال : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ؛ لأن الشكر أول أبواب الطاعة ، والرغبة في الفداء ؛ إذ هو الإحساس بحق المنعم فيما أنعم به . والوصف الثاني هو الصبر ؛ لأن الإيمان الذي هو أول ثمرات الشكر يقتضى ضبط النفس عن أهوائها ومنع الاضطراب في ( الصدمات ) والرضا بكل شديدة من