محمد أبو زهرة

1421

زهرة التفاسير

يأخذوا الأهبة للمعركة القابلة ، ولا تأسر تفكيرهم المعركة السابقة إلا بمقدار ما فيها من عظة وعبرة ، ولذا قال سبحانه : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . الوهن : ضعف النفس ، وقد يؤدى إلى ضعف الجسم عن العمل ، والحزن ألم نفسي يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه ، أو عند نزول أمر يهم النفس ، ويجعلها في هم دائم ، ومعنى النهى عن الوهن والحزن - وهما أمران نفسيان - هو النهى عن الاسترسال في الألم مما أصابهم ، والمغزى : لا تسترسلوا في الهم والألم مما كان يوم أحد ، فإن ذلك يؤدى إلى ضعفكم عن القتال ، فليس النهى منصبا على أصل الوهن والحزن ، ولكنه منصب على سببهما الذي هو في قدرة المؤمن وهو الاسترسال في الوهن والحزن . والآية الكريمة تضمنت ذلك النهى ، وتضمنت بشارة وتسلية ، كما تضمنت فوق ذلك بيان سبب النصر وهو صدق الإيمان . فأما النهى فقد بينا ما يتجه إليه ، وأما البشارة والتسلية ، فهي قوله : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ فهي تسلية للنبي وأصحابه من حيث إن فيها بيانا لأنهم أعلى ، ومعنى العلو أنهم قد كان لهم غلب أكثر مما كان للمشركين ، فقتلى المشركين يوم بدر أكثر من قتلى المؤمنين يوم أحد ، والمؤمنون في أحد ذاتها قد كانوا أعلى منزلة من الكفار ؛ لأن قتلى المؤمنين في الجنة ، وقتلى المشركين في النار ؛ ولأن قتال المؤمنين في سبيل الحق ، وقتال المشركين في سبيل الطاغوت ، وأي علو للإنسان أكثر من أن يشعر بأنه يقاتل لنصرة الحق ، ويغالب في سبيله ، فإن الحق في ذاته عزة وعلو ، وفوق ذلك في النص بشارة بأن العاقبة للمتقين ، وهو العلو في الأرض كما قال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) [ القصص ] . وأما سبب النصر فهو صدق إيمان المؤمنين ، فإن صدق الإيمان يصفى النفوس من أدرانها ويبعد عنها آثامها ، ويجعل القصد هو إعلاء كلمة الحق ، فيقدم