محمد أبو زهرة

1418

زهرة التفاسير

أشار سبحانه في الآيات السابقة إلى غزوة أحد وإمداد اللّه بالملائكة للمؤمنين في الحروب إن صبروا في اللقاء ، ولم يختلفوا على قائدهم في المعركة ، وجعلوا ما عند اللّه تعالى الغاية والمرمى ، ثم ذكر من بعد ذلك سبحانه ما هو دواء القلوب ، وغذاء الإيمان ، وهو الطاعة والتعاون ، وألا يأكل أحد حق أخيه أو ماله بالباطل ، وأن المال الحلال هو قوة الحروب ، والمال الحرام كمال الربا سحت ، وطلبه من ضعف الإيمان ، ويربى خور العزائم إذ إن شهوة المال ، والشجاعة وحب الفداء خلال لا تجتمع في قلب رجل واحد ، ثم بين سبحانه أن أعظم الذخائر هو تربية النفوس على التقوى وطلب مغفرة اللّه سبحانه وتعالى . ولقد جاء بعد ذلك الكلام على أثر غزوة أحد في نفوس المؤمنين ، وقد نهاهم سبحانه عن الضعف والوهن والحزن ، وأمرهم أن يتخذوا من الهزيمة سبيلا للنصر ، وإنها سنة اللّه في خلقه فعليهم أن يخضعوا لها ويقروا في ذات أنفسهم بها ، ولذا قال سبحانه : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ . « خلت » معناها مضت وثبتت وتقررت ، والسنن جمع سنة ، وهي تطلق بمعنى الطريق المسلوك المعبد ، وتطلق بمعنى المثال الذي يتبع ، ولقد قيل إنها من قولهم سن الماء إذا صبه صبا متواليا فشبهت العرب به الطريقة المستقيمة المتبعة المستمرة ، والمعنى أنه قد مضت وتقررت من قبلكم سنن ثابتة ونظم محكمة فيما قدره اللّه سبحانه وتعالى من نصر وهزيمة ، وعزة وذلة ، وعقاب في الدنيا وثواب فيها ، فالحق يصارع الباطل ، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنّه سبحانه من سنة في النصر والهزيمة ، من طاعة للقائد ، وإحكام في التدبير ، وقوة إيمان ، واستعداد للفداء ، وهكذا ؛ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( 8 ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ( 9 ) [ الرعد ] . وإن من سنن اللّه تعالى الثابتة ألا يمكن من الظلم وأن ينتصر أهل الحق إذا عملوا على نصرته ، وتضافروا على إقامته ولم ينحرفوا عن طاعته ، وأن أهل الباطل قد ينتصرون إن اتحدوا واستعدوا ، فينالون الظفر لتخاذل أهل الحق