محمد أبو زهرة

1411

زهرة التفاسير

وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ هذا عطف على مغفرة ، وفيها إشارة إلى أن مغفرة اللّه سبحانه تطلب وحدها ؛ لأن فيها طلب رضا اللّه تعالى ، ورضا اللّه تعالى أكبر غايات المتقين ، ولذا قال تعالى في جزاء المتقين : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ . . . ( 72 ) [ التوبة ] . فأكابر المتقين يطلبون رضا اللّه لذاته لا خوفا من ناره ولا طمعا في جناته . فالمطلب الأكبر هو المغفرة ، والمطلب الذي يليه هو « جنة عرضها السماوات والأرض » وهو ما يطلبه الذين دون الصدّيقين والشهداء ، والعرض ضد الطول ، وهو أقصر منه في الغالب ، والنص لبيان سعة الجنة ، لأنها رحمة اللّه تعالى بعباده الأتقياء ، ولذا عبر عن هذه السعة بأوسع ما يدركه الحس ، وأوسع ما يعلمه الناس من خلقه سبحانه ، وقد يقول قائل : لم ذكر العرض ، ولم يذكر الطول ، وهو أدل على الانفراج والبسط ؟ والجواب عن ذلك أن ذكر العرض أبلغ في الدلالة ، لأنه إذا كان عرضها كعرض السماوات والأرض فإنه يذهب العقل في إدراك طولها كل مذهب ، ويتصور الكثير من الصور ، وذلك كقول اللّه تعالى : بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ . . . ( 54 ) [ الرحمن ] فإنه إذا كانت البطانة من الحرير الثمين فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين ويسر الناظرين ؟ وقد يقال إن ذكر العرض ذكر للطول فإن تنسيق البيان يوجب المساواة بين طول الجنة وطول السماوات والأرض ، كما أن عرضها كعرضهما ، ويكون ذلك من الإيجاز البليغ . وقد فسر أبو مسلم الأصفهاني - العرض هنا - بالأشياء القيمية المعروضة للبيع التي جمعها عروض ، ومن ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس » « 1 » ، ويكون المعنى على هذا التفسير أن الجنة في قيمتها وعلوها وسموها ومكانتها تعادل السماوات والأرض في قيمتهما ، فهي الحياة وهي النعيم المقيم الدائم : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أي هيئت ووضعت للمتقين ، وهم

--> ( 1 ) متفق عليه رواه البخاري : الرقاق - الغنى غنى النفس ( 5965 ) ، ومسلم : الزكاة : ليس الغنى عن كثرة العرض ( 1015 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .