محمد أبو زهرة
1396
زهرة التفاسير
وقوله تعالى على لسان نبيه : أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ تومئ إلى أن حالا من الخور قد اعترت نفوس بعض المحاربين ، إذ إن الاستفهام كان منصبا على ( لن ) التي تفيد النفي المؤكد ، والمعنى : أمن المؤكد أنه لا يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ، وهذا فرق ما بين الاستفهام إذا دخل على « لا » والاستفهام إذا دخل على « لن » فالأول استفهام منصب على نفى غير مؤكد ، والثاني استفهام منصب على نفى مؤكد ، وذلك يدل على خور قد اعترى بعضهم ، فكانت الحال في الابتداء عن بعض المحاربين تومئ إلى احتمال هزيمة . ومعنى الآية الكريمة في الجملة : تذكر حالهم أيها النبي الكريم فبعضهم همّ بأن يفشل ، وأن قوما قد نكصوا على أعقابهم ، وأثر ذلك في نفوس غيرهم ، وأنك بأمر ربك وعدتهم بأن يمدهم الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ، أي ينزلهم اللّه تعالى إلى أفئدتهم فؤادا فؤادا ، ويكون منهم النصر العزيز بأمر اللّه تعالى ، وإن هذه الحال ، وهي ابتلاء الوهن على نفوس بعض المسلمين ، جعلت النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر ربه يعدهم وعدا أوفى ، ويزيل احتمال عدم الكفاية من مدد اللّه ، ويؤكد الكفاية فيقول تعالى : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ « بلى » هنا إجابة لحاجتهم من المعونة الروحية ، وفيها معنى الإضراب عن الإمداد الكثير إلى الإمداد الأكثر ، والمعنى : يكفيكم أن يمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ، ونرى من المقابلة بين النصين الكريمين أن النص الأول فيه استنكار للنفي المؤكد ب « لن » من أن ثلاثة آلاف لا يكفى ، وفي هذا النص تأكيد بأنه يكفيهم خمسة آلاف ، ولكن الكفاية لا تتحقق في ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف إلا بشرط ، وهو الصبر ، والتقوى ، ولذا قال تعالى : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا أي إن تسربلتم سربال الصبر ، واستشعرتم تقوى اللّه ، وعلمتم أن النصر من عنده ، فإنكم لا محالة منتصرون ، وسيمدكم اللّه بروح منه ، أولئك الملائكة الأطهار ، وإن الصبر هو قوة الحروب ، والصبر يتقاضى أن يضبط المجاهد نفسه فلا ينساق وراء