محمد أبو زهرة
1349
زهرة التفاسير
البيّنات الموضحة المبينة التي قامت مثبتة للحق ، وهو واحد لا يتعدد ، وإن ذلك فيه بيان نتيجة التفرق ، وهو الاختلاف مع وجود الحق ، وهو تأكيد لمضمون النهى ؛ لأنه إذا كان التفرق مؤديا إلى استبهام الحق أمام المختلفين مع وضوحه في ذاته ، فإن الافتراق في ذاته أمر قبيح ، وإن هذه الصيغة فوق ذلك فيها الاعتبار بمن سبقوا ، ووضع صورة واقعية لنتائج الافتراق ، ولذا كان قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا أكثر معاني من ( ولا تتفرقوا ) وهي في هذا المقام أبلغ وأبين ، ولأن الآيات السابقة فيها كلام عن أحوال اليهود والنصارى ، ومناقضتهم للحقائق الإسلامية ، ومحاولتهم تضليل المسلمين عن الحق الصريح ، فكان من المناسب أن يشار إلى حالهم ، ونتائج تفرقهم ، وإعراضهم عن الحق بعد إذ تبين لهم . وقد يقول قائل : إن الاختلاف يؤدى إلى التفرق مع أن ظاهر الآية أن الافتراق هو الذي أدى إلى الاختلاف ، ونقول في ذلك : إن الاختلاف الذي لا ينشأ عن التفرق ولا يؤدى إليه هو اختلاف تفكير ، ولا بد أن يصل فيه المختلفون إلى الحق ولا يضلون ، وأما الاختلاف الذي يؤدى إلى الافتراق ، فهو بلا شك يؤدى إلى الضلال ، ويترتب عنه ضلال مع وجود بينات الحق ؛ إذ التفرق معناه انحياز كل جماعة إلى ناحية وفرق معين ، وكذلك التفرق السابق على الاختلاف ، فإنه يكون نوعا من تحكم الهوى ، أو العصبية النسبية ، أو العصبية الإقليمية ، فيكون كل تفكير تحت سلطان هذه العصبية ، فلا تستقيم الحقائق ، ولا تدركها العقول ، مع قيام البينات . وقد بين سبحانه نتائج هذا الضلال في الآخرة فقال سبحانه : وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . أي أولئك الذين فرقتهم الأهواء فضلوا ولم يدركوا الحق مع قيام البينات عليه لهم عذاب عظيم في الآخرة ، وهذا التهديد الشديد مقابل للنتيجة الحسنة التي تكون ثمرة التواصى بالحق والتواصى بالصبر ، وهي الثابتة بقوله تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) [ البقرة ] . فالافتراق نتيجته خسران في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة .