محمد أبو زهرة
1339
زهرة التفاسير
الرسن « 1 » ، كما يطلق على العهد ، كما في قوله تعالى : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ . . . ( 112 ) [ آل عمران ] ويطلق على الإيمان ، كما يطلق على القرآن ، وقد ورد بذلك الحديث النبوي ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « إنّ القرآن هو حبل اللّه المتين ، وهو النور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن استمسك به » « 2 » ، وروى عن زيد بن أرقم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم فسر حبل اللّه تعالى في هذه الآية بالقرآن ، فقد قال : « حبل اللّه هو القرآن » « 3 » وإن ذلك هو الواضح ، فحبل اللّه تعالى هو شريعته المحكمة الباقية إلى يوم القيامة ، والمؤدى واحد ، فشريعة اللّه سجلها القرآن ، فهو بيانها ، وهي حبل اللّه ، والعروة الوثقى التي يضل من فصمها أو تركها . وقد ذكر سبحانه أن الأمر بالاعتصام لا يؤدى غايته وحقيقته إلا إذا اعتصمت الأمة جميعها ، ولذلك قال سبحانه : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً أي كونوا جميعا مستمسكين به ؛ وذلك لأن هذا الدين كل لا يقبل التجزئة ، والجماعة الإسلامية كل وطائفة واحدة ، وكلمة جَمِيعاً يصح أن تكون حالا من الواو ، ويصح أن تكون حالا من حبل اللّه تعالى ، وعلى الأول يكون المعنى كونوا جميعا مستمسكين بحبل اللّه ، ولا يصح أن ينفصل منكم طائفة لا تأخذ بذلك الحبل ؛ لأن الشيطان ينفذ إليكم عن طريق هذه الطائفة التي شذت وعصت أمر ربها . وعلى أن كلمة جَمِيعاً حال من حبل اللّه ، يكون المعنى خذوا بالقرآن كله ، ولا تجعلوه عضينا تؤمنون ببعضه وتكفرون ببعضه ، أو خذوا بشريعته كلها ولا تأخذوا بجزء منها دون جزء ، فإنها كل لا يقبل التجزئة .
--> ( 1 ) الرسن : الحبل ، ورسن الفرس ، إذا شدّه . من باب نصر . الصحاح . ( 2 ) رواه بهذا اللفظ الدارمي : فضائل القرآن - باب من قرأ القرآن ( 3181 ) هكذا موقوفا على عبد الله بن مسعود . ( 3 ) عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله عزّ وجل هو حبل الله ، من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة » . جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه : فضائل الصحابة - فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( 2408 ) .