محمد أبو زهرة
1318
زهرة التفاسير
فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الفاء هنا للإفصاح كسابقتها ، والمعنى إذا كنتم مصرين على قولكم فأنتم ظالمون ؛ لأن من افترى على اللّه الكذب فهو ظالم ، وافتراء الكذب معناه القصد إليه وتعمده ، والقطع بالقول فيه من غير تردد ، مأخوذ من فرى يفرى بمعنى قطع . وأولئك باستمرارهم على قولهم هذا قد كذبوا على اللّه ، فادّعوا أنه حرم ، وهو لم يحرم ، وادعوا أن ذلك في شريعة إبراهيم عليه السلام التي نزلت من عند اللّه تعالى ، وليست منها في شئ . ومن قصد إلى الكذب قاطعا به من غير دليل ولا حجة ( بل قام الدليل على نقيض ما يقول ) فهو ظالم ، ولذا قال تعالى : فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الإشارة إليهم محملين وصف الافتراء على اللّه تعالى وعلى النبيين ، وهذا الوصف هو سبب الحكم بالظلم ، وقد أكد اللّه تعالى وصف الظلم بقصر الظلم عليهم بضمير الفصل ، وهم ظالمون للحقيقة إذ أخفوها وكذبوا ، وظالمون لأنفسهم لأنهم يخادعون اللّه الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، وهم إذ يخادعون اللّه تعالى ، يخادعون أنفسهم ويضلونها باستمرارهم على السير في طريق الغواية ؛ إذ كلما أولجوا فيه بعدوا عن طريق الهداية ، وظلموا بغمطهم الحق والناس ، وحسدهم لهم على ما آتاهم اللّه من فضله . وإن أولئك الذين يتمسحون بذكر إبراهيم لم يتبعوه ، ولم يهتدوا بهديه ، بل خرجوا عن منهاج الفطرة الذي هداه اللّه تعالى ، ولذلك أمرهم اللّه سبحانه وتعالى باتباعه فقال تعالت كلماته : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أمره أن يذكر لهم صدق اللّه تعالى فيما أخبره به من أن إبراهيم ما حرم الإبل ولا ألبانها ، وأن بني إسرائيل من قبل التوراة كان كل الطعام الطيب حلالا لهم غير حرام عليهم .