محمد أبو زهرة
1316
زهرة التفاسير
فأراد اللّه سبحانه وتعالى أن يفطموا نفوسهم عن أهوائها ليكبحوا جماح شهواتهم ولكيلا يندفعوا في الظلم والأهواء المردية ؛ ولذا قال سبحانه : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ . . . ( 160 ) [ النساء ] . والطعام هو ما يطعمه الإنسان ويستسيغه ويطلبه راغبا فيه ، وهو في عمومه يشمل البرّ والذرة والشعير ، وكل المواد النباتية والحيوانية ؛ ولذا قال تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ . . . ( 96 ) [ المائدة ] . وقال تعالى : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ . . . ( 5 ) [ المائدة : 5 ] والمراد ذبائحهم . وبمقتضى هذا النص السامي يكون كل طيب مطعوم مرغوب فيه حلالا ولا يحرم إلا الخبائث من الميتة والخنزير وغيرهما ، وأن ذلك كان شريعة إبراهيم عليه السلام ، وأنه ما كانت لحوم الإبل ولا ألبانها من المحرمات لأنها من الطيبات ، وإبراهيم وذريته على هذه الشريعة الفطرية ، حتى قست قلوب بني إسرائيل ففطمها اللّه بذلك التحريم المؤقت . إذن فلم يكن شئ من الإبل محرما ، ولم يكن شئ من الطيبات محرما على بني إسرائيل من قبل التوراة ، إلا ما حرمه إسرائيل على نفسه ، وإسرائيل اسم ليعقوب بن إسحاق عليهما السلام ، وقد اختلف العلماء في تخريج قوله تعالى : إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ما المراد بإسرائيل أهو القبيل كله ، وهم اليهود ؛ أم المراد ذات يعقوب الذي هو أبو القبيل ، وإليه ينتمى ؟ . ذكر الزمخشري التخريجين ، ورجح أن المراد ذات يعقوب عليه السلام ، ويكون المعنى : إن كل الطعام كان حلالا لبنى إسرائيل إلا ما كان يحرمه إسرائيل على نفسه باجتهاد منه لشخصه : إما لعلاج جسمي بأن وجد أن هذا الطعام يضره ويؤذيه ، وأن الابتعاد عنه ينفعه ويجديه ، كما نرى من ناس يتجنبون بعض الأطعمة لأنها لا تناسب حالهم بإشارة طبيب أمين أو بتجربة شخصية ، وكل امرئ طبيب نفسه . وإما لعلاج نفسي كأن يمتنع عن بعض ألوان الطعام قناعة وفطما