محمد أبو زهرة

1312

زهرة التفاسير

إليه ، وثالثها القصر والتخصيص ، فقد قصر عليهم الضلال كأنه لكماله فيهم لا يوجد في غيرهم ، وإن السبب في استمرار ضلالهم هو لجاجتهم وعنادهم ، فهم كلما لجوا في مقاومة الحق ازدادت نفوسهم بعدا عنه . وكلما بعدوا عنه أوغلوا في الضلال ، والإشارة في قوله سبحانه ( أُولئِكَ ) هي إليهم متصفين بما اتصفوا به من كفر بعد إيمان ، وازدياد ولجاجة في هذا الكفر والجحود ، فتلك الصفات هي السبب في هذا الاستمرار وتأكد الضلال ، وإن هؤلاء الضالين سيموتون بلا شك وهم كفار فيندرجون تحت حكم الآية الكريمة الآتية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ إن هذه الآية تبين مآل الذين يموتون وهم كفار ، أي أنهم يستمرون على كفرهم حتى يلقوا ربهم ، فالواو في قوله سبحانه : وَهُمْ كُفَّارٌ واو الحال وهي تفيد أنهم ماتوا وهم على حال لهم مستمرة ملازمة لم تفارقهم ، وهي الكفر والضلال ، وإن أولئك في اليوم الآخر يلقون جزاءهم على ما قدموا من سيئات وجحود بالحق موفورا كاملا ، وذلك الجزاء ذو شطرين ، أحدهما سلبى والآخر إيجابي . أما السلبي فهو أن كل ما عملوا من خير وأنفقوا من مال لا يكافئون عليه ، كما قال تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان ] والسبب في فقد الجزاء عليه أن أساس الجزاء في الدين النية ، والنية لا تكون سليمة إلا إذا كان فعل الخير قد قصد به وجه اللّه سبحانه وتعالى ، وذلك لا يكون ممن لا يذعن لدين اللّه ؛ لأنه لو طلب وجه اللّه لأجاب نداءه ، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً أي لن يقبل منهم أي إنفاق ، ولو كان بمقدار ما يملأ الأرض من ذهب ، فمهما يفعلوا من عمل ، هو في ذاته خير ، فقد أفسدوه بنياتهم الآثمة ، وتمردهم على الحق إذ دعوا إليه . والجزاء الإيجابى هو العقاب الذي لا يكون منه مناص ولو بفدية مهما كبرت أو عظمت ، كما قال تعالى مخاطبا المنافقين : فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا