محمد أبو زهرة

1305

زهرة التفاسير

مجاهد أنه جاء الحارث بن سويد فأسلم عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم كفر فرجع إلى قومه نادما ، فأنزل اللّه : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ فحملها إليه رجل من قومه ، فقال الحارث : ( إنك واللّه ما علمت لصدوق ، وإن رسول اللّه لأصدق منك ، وإن اللّه لأصدق الثلاثة ) ثم رجع وأسلم « 1 » ، وروى عن الحسن البصري أنه قال : إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين رأوا نعت النبي صلى اللّه عليه وسلم في كتابهم وشهدوا أنه حق ، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك وأنكروه وكفروا بعد إقرارهم . وإن هذا هو الذي أميل إليه ، فقد قال تعالى في شأن اليهود : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) [ البقرة ] . وإن قصص القرآن فيه بيان تعصب اليهود ، ومعاملتهم للمسلمين ، وتلقيهم لهداية القرآن ، وتواصيهم بالنفاق والكفر . على أنه مهما يكن سبب النزول فإن الآية تقرر حقيقة ثابتة ، وهي أن النفس التي تشهد بالحق وتؤمن به ثم تكفر للهوى والعصبية لا يرجى لها هداية إلا أن تزيل منها درن الغرض ، وتنخلع عن العصبية الجامحة بالتوبة النصوح . وفي النص السامي بعض مباحث : أولها : ما حقيقة الهداية الإلهية في هذا المقام ؟ وإنا نقول في الإجابة غير متعرضين لما بين المعتزلة والأشاعرة من خلاف : إن الهداية هنا هي الهداية المطلوبة في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة ] والمذكورة في قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) [ الضحى ] وهي بيان الطريق الحق ، والإرشاد إلى سبيل المعرفة الحقيقية ؛ وإن من يكون على هذه الحال ، وهي الإيمان ، والشهادة بالحق ومجىء البينات السابقة - لا يحتاج إلى بيان فوق ما جاء إليه ، بل يحتاج إلى عقاب صارم يجعله عبرة لكل من يكون على مثل حاله .

--> ( 1 ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره : سورة آل عمران 86 : 89 .