محمد أبو زهرة
1301
زهرة التفاسير
يأتيه الوحي على طريق الاستعلاء ، ويأتيهم على طريق الانتهاء - فقد تعسف ، ألا ترى إلى قوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ . . . ( 4 ) [ البقرة ] ، و أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ، وإلى قوله تعالى : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا . . . ( 72 ) [ آل عمران ] . وإنا نميل إلى ما اعتبره الزمخشري تعسفا ؛ لأن الخطاب في الأول من اللّه لنبيه ، والوحي ينزل عليه ، فكان من مقتضى الحقيقة أن يعبر بعلى ، والثاني خطاب للمؤمنين ، والوحي لا ينزل عليهم ، ولكن ينته في نزوله إليهم ، وكون اللّه تعالى عبر في مقام النزول على النبي ب « إلى » ، وحكى عن اليهود أنهم قالوا في مقام النزول إلى المؤمنين بعلى ، فلأسباب واضحة في مقامها لا يخل بالتعليل في هذا المقام . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ هذه ثمرة الإيمان باللّه وحده لا شريك له ، والإيمان بكل رسله ، وبكل ما أنزل على رسله ، فالنبي والمؤمنون معه إذ يؤمنون بكل ما جاء به الرسل لا يفرقون بين أحد منهم ، فلا يؤمنون بواحد ويكفرون بآخرين ، ولا يؤمنون بجماعة ويفردون بالكفر واحدا ، بل هم في الإيمان سواء ، وإذا كان بينهم تفاضل في أشخاصهم ، فأصل الإيمان برسالتهم واجب لا تفرقة فيه ؛ ولكن التفضيل يكون بأمور أخرى وراء أصل التصديق والإيمان ؛ ولذا قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ . . . ( 253 ) [ البقرة ] . ثم بين سبحانه الوصف الكامل لأهل الإيمان ، وهو الإذعان لذات اللّه ولذات الحق ، فيطلبون الحق مذعنين له مؤمنين به خاضعين ، ولذا قال سبحانه : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي ونحن لله سبحانه وتعالى مذعنون مخلصون ، لا نذعن إلا له ، فلا نفكر في الأمور تحت تأثير عرض من أعراض الدنيا ، أو عصبية جنسية أو دينية ، أو حب رئاسة وسلطان ، بل نطلب الأمر من الأمور وقد أخلصنا في طلبه ، وخلصنا أنفسنا من شوائب الدنيا وأعراضها ، فالإخلاص للّه والإذعان له فيه الخلاص والاستقامة نحو الحق .