محمد أبو زهرة
1287
زهرة التفاسير
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ . . . ( 46 ) [ النساء ] فكان لىّ اللسان أن استعملوا كلمة ( راعنا ) بدل كلمة ( انظرنا ) وكلمة راعنا - في لغة السريان والعبرانيين - للسب ، فهم باختيارها يشيرون إلى معنى السب في هاتين اللغتين ، وبذلك يطعنون في الدين ، ويسبون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن لىّ اللسان ، أن تقرأ عبارات في الكتاب بنغمته ، وهي ليست منه . ومن اللّىّ المعنوي ، تحريف المعاني بتوجيهها إلى غير المراد منها . وبهذه الأنواع الأربعة كان بعض اليهود والنصارى يلوون ألسنتهم بالكتاب أي عند قراءته و « الباء » في قوله تعالى : ب ( الكتاب ) : بمعنى « في » فهم ينظرون إلى الصحائف التي تحوى التوراة ، ويقرءون غير ما فيها بلىّ ألسنتهم إما بحذف حروف يغير المعنى حذفها ، أو بتغيير كلماتها ، أو بقراءة كلام غيرها بنغمتها وتجويده ، أو بتحريف معانيها ، ليتجهوا إلى معان ليست فيها ؛ وليس شئ من هذا في الكتاب الذي يوهمون سامعيه أنه منه ، وليس منه ، وبذلك ضلّوا وأضلّوا كثيرا ، وضلّوا عن سواء السبيل ، وإن ذلك هو أصل الشر فيهم ، وأصل فساد الاعتقاد عندهم . والضمير في قوله سبحانه : لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وفي : وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ يعود إلى مالووا به ألسنتهم ؛ وتكرار الكتاب في النفي . ، لبيان شدة براءة الكتاب المنزل على موسى وعيسى عليهما السلام مما يدعون ويفترون . وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ في هذا النص السامي بيان مدى الخطورة في لىّ ألسنتهم بالكتاب ، وإيهام الناس أن ما يقرءون وما يقولون من كتاب اللّه حتى يحسبه الناس كذلك ، فإنهم إذ يفعلون ذلك ينسبون لله تعالى ما لم يقله فيقولون : إن كلامهم هو من عند اللّه ، وليس من عند اللّه ، وذكر « هو » في كلامهم يفيد إصرارهم على ما يدعون مع علمهم بأنهم يكذبون ويفترون وذكره في نفى ادعائهم لتأكيد هذا النفي ، وبيان أنّه منصبّ على كلامهم ، لا على أصل الكتاب ، ويقول الزمخشري في قوله تعالى : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ