محمد أبو زهرة

1273

زهرة التفاسير

وهل معنى الاتفاق الذي اتفقوا عليه هو أن يبدءوا في الضحى فيسلموا ثم يكفروا في المساء ؟ ظاهر اللفظ ذلك ، ولكن يبدو للمتأمل البصير أنهم يريدون أن يسلموا حينا من الزمان حتى تتم الثقة بهم والاطمئنان إليهم ، ثم يكفروا من بعد ذلك ، على ألا يستغرق إظهارهم الإسلام إلا أمدا يستطيعون فيه جلب الثقة إليهم ؛ ويكون حينئذ التعبير كله من قبيل الاستعارة التمثيلية ، سيقت لتصور حالهم التي اتفقوا عليها ، وهي أنهم يظهرون الإيمان ثم يكفرون بعد أمد قصير . فالاستعارة لتصوير سرعة الرجوع وإظهار الكفر ، وتأكد التعاقب بين إظهار الكفر وإظهار الإسلام ، كما يتعاقب ظهور آخره بعد أوله . وقد حكى اللّه سبحانه وتعالى عنهم مقصدهم ومكرهم السيئ بقوله تعالت كلماته : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فهذا التعبير يفيد بيان مقصدهم وهو رجاء أن يرجع بعض المؤمنين إلى الكفر بعد الإيمان ، ولكنهم عبروا عن البعض باسم الكل ، فإنه لا يمكن أن يرجعوا جميعا ، بل الذي يرجى رجوعه من المسلمين هو الضعيف غير القوى في دينه ، غير المطمئن في يقينه ، ولكن كفر هذا الفريق بعد إيمان يحدث اضطرابا في جماعة المسلمين ، فيكون التظنن فيهم ، وحيث جرى الشك في الجماعة كان وراءه التفرق وفقد الثقة ، وكان وراءهما الفشل الذريع ، وإنهم من بعد ذلك يطمعون أن تعود الجزيرة العربية إلى الشرك بعد هذا الإيمان الذي هددهم في كيانهم ؛ وكذلك سولت لهم نفوسهم ، فإن الذي يركب رأسه الشيطان توسوس له نفسه بالشر ، ويتسع أفق تصوره حتى يتمنى الأماني البعيدة القاصية كأنها قريبة دانية . وإن تلك الطريقة التي سلكوها من أقوى ما تفتق عنه التدبير الإبليسى ؛ فإن إظهار الكفر بعد إظهار الإيمان مع التذرع بتلبيسات مضللة من شأنه أن يدخل الشك في ضعفاء الإيمان ، وقد يكون معه الجهر بما يثير الريب حتى في أقوى الحقائق صدقا وأجدرها باليقين ؛ ولذلك كانت عقوبة الردة التي ثبتت بقوله صلى اللّه عليه وسلم :