محمد أبو زهرة

1268

زهرة التفاسير

وفي هذه الجملة السامية إشارة إلى عدة معان عالية : أولها : أن اتصال النبي صلى اللّه عليه وسلم والذين اتبعوه ، والذين اتبعوا إبراهيم بخليل اللّه ؛ لأنهم اتصلوا باللّه تعالى ، والمؤمنون بعضهم لبعض ولى ونصير ؛ لأنهم جميعا أولياء اللّه . فالمؤمنون برسالة إبراهيم والمؤمنون برسالة محمد كلهم أولياء ، لأنهم جميعا أولياء اللّه تعالى ، وفي ذلك يبين سبحانه لليهود وغيرهم الطريق الحق الذي يجعلهم أولى بإبراهيم كالنبي ومن اتبعه . ثانيها : الإشارة إلى أن ولاية اللّه هي الغاية الكبرى التي يجب أن يطلبها كل مؤمن ، وطريقها الإحسان في كل شئ ، وأساس الإحسان الإخلاص ؛ ولذا يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . ثالثها : الإشارة إلى منزلة أهل الإيمان عند اللّه والوعد بنصرتهم مهما يتكاثف عددهم : إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) [ الحج ] . وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ إن اليهود والنصارى كانوا يحسدون المؤمنين على ما آتاهم اللّه من فضله ، كما قال تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً . . . ( 109 ) [ البقرة ] فأولئك الكتابيون كانوا يشعرون أنهم فوق مستوى سائر العرب ، فلما جاء النبي صلى اللّه عليه وسلم بهديه فيهم ارتفع مستوى العرب فلم يذعنوا للحق الذي كان عليهم أن يؤمنوا له ، بل تمردوا عليه ، ولعظم المنزلة التي يعلمونها فيما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم كانوا يتمنون أن يضل المؤمنون ، وأن يتركوا الحق ؛ ولذا قال تعالى : وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أي تمنت طائفة من أهل الكتاب ضلالكم ، فلو هنا مصدرية تدل على التمني ، أي ودت هذه الطائفة ضلالكم ولم يكن ذلك منهم أمنية يتمنونها فقط ، بل كانوا يقرنون القول بالعمل ، فكانوا يلقون بالظنون والشكوك والأوهام حول الدعوة المحمدية ليرتاب الذين آمنوا ، وكان منهم منافقون ينبثون بين المسلمين باسم أنهم مسلمون ، ويلقون بالريب والتشكيك في النبي صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به كما

--> ( 1 ) متفق عليه ، وقد سبق تخريجه من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه .