محمد أبو زهرة

1263

زهرة التفاسير

تخالفون مقتضاه ، وتلوون منطقه ، وتبعدون به عن الحجج ، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ؟ وبيان ذلك أن اليهود والنصارى عندما كانوا يتجادلون مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفيما بينهم كانوا يتجادلون في أمر أسباب العلم به قائمة حاضرة مهيأة وإن كانوا ينحرفون بها عن غاياتها ، ويلوونها عن مقاصدها ومراميها تبعا لأهوائهم وشهواتهم ، فكانت محاجة في أمر لهم به علم ، وإن لم يسيروا على مقتضى أحكام العلم ، أما جدلهم في كون إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ، أو في كون النبي صلى اللّه عليه وسلم المبعوث في المستقبل يكون عربيا أو عبريا فجدل ومحاجة في أمر لا علم لهم به ، وإن العاقل ينأى به عقله عن أن يجادل في أمر ليس عنده شئ من أسباب العلم به ، ولكن هكذا يتردى أهل العقول عندما تنحرف نفوسهم إلى التعصب ، فيتحكم الهوى في العقل . وهنا مباحث لفظية : أولها : أن الهاء المكررة في قوله تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ هي هاء التنبيه ، وتكرارها في موضع واحد للدلالة على غرابة ما هم عليه ومجافاته لكل تفكير ولكل عقل ، وكيف دلاهم التعصب في هذا الانحراف الفكري . وثانيها : أن « هؤلاء » إشارة إلى النصارى واليهود الذين قالوا في إبراهيم ما قالوا ، وقد أنزلت التوراة والإنجيل من بعده ، فهي تتضمن الأحوال الغريبة التي كانت منهم ، وأنها أدت إلى شذوذ عقلي آخر . ثالثها : أن الزمخشري ذكر أن بعض العلماء قال هنا إن « هؤلاء » بمعنى « الذين » وإن هذا يفيد أن الذي أدى إلى ترديهم العقلي هو أنهم يتكلمون فيما يعلمون وفيما لا يعلمون . وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ختم اللّه سبحانه وتعالى ببيان علمه تعالى المؤكد ، فقرر العلم المطلق له سبحانه ، ونفى عنهم العلم في هذا المقام ، فاللّه سبحانه وتعالى هو الذي يعلم حال إبراهيم عليه السلام ، ويعلم الحق فيما يتحاجون به بعلم وبغير علم ، ويعلم من الذي يكون أهلا لرسالته أيكون من