محمد أبو زهرة
1244
زهرة التفاسير
معناها هو المعنى اللغوي الأصلي ؛ إذ إن التوفّى في اللغة أخذ الشئ وافيا تاما ، والمراد في نظرهم أنّى موفيك حياتك كلها في الدنيا على الأرض ببقائك فيها ، ثم رافعك إلى السماء تستوفى حظك من الحياة هناك . ولكن يعارض هذا التأويل أن القرآن له استعمال في العبارات يخصصها ، وقد خصص هذا اللفظ بالموت ، كما خصصته اللغة ، ومن ذلك قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وقوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ . . . ( 11 ) [ السجدة ] . ومن التأويلات : أنهم فسروا الوفاة بمعنى النوم باعتبار أن النوم هو الموتة الأولى ، ومن ذلك قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ . . . ( 60 ) [ الأنعام ] . والمعنى على هذا منومك نوما عميقا ، ثم رافعك في أثناء هذا النوم إلىّ . ومن التأويلات : ما ذكره القرطبي بقوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ على التقديم والتأخير ؛ لأن الواو لا توجب الرتبة ، والمعنى إنّى رافعك إلىّ ومطهّرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء ، كقوله تعالى : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) [ طه ] ، والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما « 1 » أي أن الوفاة ستكون ، وليست سابقة على الرفع ، بل هي متأخرة عنه ، أي أنه عليه السلام يموت بعد أن ينزل إلى الأرض ولا شك أن هذا ضرب من التأويل ، وليس ظاهر النص . ذانك نظران في تفسير الآية الكريمة ، أولهما يعتمد على ظاهر الآية الكريمة ، وعلى أنه لا تعارض بين هذا الظاهر وظواهر النصوص الأخرى ، ومنهم من يقف من أحاديث نزوله إلى الأرض موقف المستفهم ؛ لما ذا اختص عيسى بهذا ؟ ولما ذا لا يكون هذا لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ ويخشى أن يكون ذلك من دس النصارى ، وكم دسوا في الإسلام ؛ ولقد كان في عصر التابعين يوحنا الدمشقي في بلاط بنى
--> ( 1 ) أحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 99 .