محمد أبو زهرة

1235

زهرة التفاسير

هذا القصص الحكيم مستمر في قصة عيسى ، وقد انتقل في الآيات السابقة من بشارة مريم بأن تكون المختارة لتكون منها الآية الكبرى وهو أن يولد منها ولد هو إنسان حىّ يأكل ويشرب وينمو من غير أب ينجبه ، إلى ملاقاة قومه له وتكذيبه ؛ ولم يكن ذلك الانتقال مفاجئا من غير تمهيد بل مهد له ، فأشار في البشارة إلى مقامه ورسالته وآيته الباهرة القاهرة ؛ وبهذا علم القارئ الذي يتلو كتاب اللّه من السياق رسالته والمعجزات التي تحدى بها قومه أن يأتوا بمثلها ؛ وعلى ذلك لم يبين في هذا الموضع ولادة عيسى عليه السلام ، وحال مريم عند ولادته ، وتكلمه في المهد صبيا ، وبين ذلك في سورة مريم في قوله تعالى : فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) [ مريم ] . ففي سورة مريم فصل خبر ولادته ، وفي هذه السورة فصل الآيات التي أثبت بها نبوته ، وكان هذا مناسبا لما يجئ بعد ذلك من ملاقاة قومه لدعوته إلى اللّه ، وإقامته الآيات التي تدل على رسالته ، فقال : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ هذا النص الكريم كان معقبا للآيات الباهرة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وتصوير الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن اللّه . وتعقيبه لهذه الآيات ، وكون الكثرة لم يكونوا مؤمنين كما يشير النص ، يدل على أن الآية مهما تكن باهرة قاهرة لا تحمل