محمد أبو زهرة

651

زهرة التفاسير

مجتمعين لا يفرقكم إقليم ولا يحاجز بينكم جنس ولا لون ؛ لأن وصف الإيمان جامعكم ، وكلمة التوحيد رابطة بينكم ؛ فإيمانكم يبعثكم إلى أن تكونوا طائعين منقادين للإسلام في اجتماع لا افتراق معه ، ويوجب عليكم أن توحدوا كلمتكم . والمعنى على أن كافة حال من « السلم » : ادخلوا في الإسلام بكل شرائعه وأحكامه ، فلا تأخذوا بحكم وتتركوا حكما ، فلا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة ، ولا تأخذوا بأحكام الزواج وتتركوا أحكام الربا ، ولا تأخذوا بنظام الميراث وتتركوا أحكام الحدود وتعطلوها ، وهكذا لا يصح أن يؤخذ بعض الإسلام ، ويترك بعضه ؛ من فعل ذلك كان كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه ، وكان كمن جعل أحكام القرآن عضين ، فيفرق بينها بالطاعة والعصيان ، والأخذ والترك ، وأحكام الإسلام كل لا يقبل التجزئة ، ومجموعها هداية العقول ، وطب القلوب ، وعلاج الأدواء الاجتماعية والشخصية ، فمن أخذ ببعضها وترك الآخر ، فقد فتح في قلبه للشيطان ثلمة ينفذ منها ، وحيثما حل الشيطان في قلب زلت الأقدام ، وحكمت الأوهام ، فيطمس نور الهداية من قلبه ، وتنحل عرى الإسلام في نفسه من بعد ذلك عروة عروة . هذا توضيح المعنى على تفسير كلمة السلم بمعنى الإسلام ، وهو قول الأكثرين . وقال قتادة ووافقه بعض مفسري السلف : إن معنى السلم المسالمة والموادعة والصلح ، وهو يشمل مسالمة المسلمين فيما بينهم ، فلا يفترقون ، ولا يختصمون ، ولا يتنازعون حتى لا يكون بأسهم بينهم شديدا ، ويكونوا طعمة للآكلين ونهزة للمفترضين ، كما يشمل مسالمتهم لغيرهم ، فلا يعتدون على غيرهم ما دام لم يعتد عليهم . والمعنى على هذا : يا أيها الذين آمنوا إن إيمانكم يوجب عليكم أن تدخلوا في السلام العام ، فلا تنابذوا أحدا لم يعتد عليكم ، ولا تقاتلوا من لم يرفع عليكم سيفا ، ولم يوال عليكم عدوا ، ثم قووا وحدتكم بالسلم الموثقة والإخاء الجامع . ولا شك أن السلام بين المسلمين أمر يفرضه الدين ، وهو مما علم من الدين بالضرورة لا يمارى فيه من في قلبه ذرة من إيمان ، ومن قال غيره فقد أعظم الفرية على الإسلام وأهله .