محمد أبو زهرة
648
زهرة التفاسير
وثانيتها - أهل العدل الذين يفتدون الحق بأنفسهم وأموالهم ، ويطرحون كل هوى لهم في سبيل رضا الله وإقامة الحق . وثالثتها - أولئك الذين يتبعونهم وإن لم يبلغوا شأوهم ، ولم يفتدوا الحق مثل افتدائهم . ورابعتها - أولئك الذين ينظرون ، ويتبعون الفريق الغالب في هذه المعركة التي تقوم بين الخير والشر ؛ وأولئك هم الذين سماهم النبي صلى اللّه عليه وسلم الإمعة ؛ وقد نهى صلى اللّه عليه وسلم عن مسلكهم ، فقال : « لا تكونوا إمعة ؛ تقولون إن أحسن الناس أحسنّا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم ، إن أحسن الناس تحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا » « 1 » . وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ذيل الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بتلك الكلمة السامية ؛ للإشارة إلى أمور ثلاثة وصلت إليها مداركنا : أولها - إن الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده جعل الخير القوى بجوار الشر المندفع ، فهدى الله أهل الخير الأقوياء إلى مدافعة أهل الشر الطغاة ، ولولا ذلك لعم الفساد ، وهلك العباد ، وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ . . . ( 251 ) [ البقرة ] . وثانيها - الإشارة إلى أن الغلب للحق دائما ؛ لأن ذلك من دواعي رأفته ورحمته بعباده ، والحق الذي يجئ بالمغالبة حق قوى عزيز يعض عليه بالنواجذ ؛ وفيه إعلان لغلبة المعاني الإنسانية على النواحي الحيوانية . وثالثها - إن من رحمة الله بعباده ألا يمكن للظالمين ، وأن يمكن للعادلين ؛ فإن الحكم العادل يكون رحمة بالناس ورفقا بهم ؛ والحاكم العادل ظل الله في أرضه ، ورحمته بخلقه ؛ وتسليط الظالمين من أمارة غضب العلى الحكيم .
--> ( 1 ) رواه الترمذي : كتاب البر والصلة - باب الإحسان والعفو ( 1930 ) . والإمعة من يقلد غيره في قوله أو فعله .