محمد أبو زهرة

636

زهرة التفاسير

وقوله تعالى : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إما أن يكون متعلقا بالقول ، ويكون المعنى يعجبك قولهم الذي يكون موضوعه الحياة الدنيا ، إذ يفهمون ما فيها ولا يدركون سواها ؛ لأنها خلب أكبادهم ، وغاية أمورهم ؛ ومن أحب شيئا أحسن القول فيه ، ومن كانت الدنيا همه أحسن حكاية أمورها ، حتى إن قوله فيها ليكون عجيبا ؛ أما الآخرة فلا يحسن القول فيها ، لأنه لا يبتغيها ، فإن تكلم في أمر يتعلق بها اعترته حبسة وعى وحصر . وإما أن يكون فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلقا بالإعجاب ، أي أن قدرته على إثارة الإعجاب والاستحسان لبيانه إنما يكون ذلك في الدنيا فينتج ثمرته حيث يكون الحكم للظاهر ، ولا ينقب عن القلوب والسرائر ، كما قال عمر رضي الله عنه : أيها الناس إن الوحي قد انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم هذا أمر الدنيا ، أما الآخرة فالحكم فيها علام الغيوب الذي يعلم ما تخفى الصدور ، فلا سبيل للخديعة بالقول ، فالله يكشف مستور القلوب ، ويحكم عليه بمقصده وغايته ، لا بقوله وإجادته . ونحن نختار أن يكون متعلق الجار والمجرور لا القول ؛ لأنه الذي يتفق مع السياق ؛ إذ إن السياق في بيان الذين يخدعون الناس في الدنيا وقلوبهم مريضة لا بيان حال من يجيدون القول فيها ، وإن بعض الذين يجيدون القول في الدنيا أخيار لا أشرار . هذا أول حال من أحوال الذين يظهرون ما لا يخفون ، ويقولون ما لا يفعلون . أما الصفة الثانية فهي قوله تعالى : وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أي أن هذا الذي يثير إعجاب الناس في الدنيا بخلابة لسانه وقوله الحلو المعجب المطرب ، إن رأى الناس يتشككون في قوله أقسم بصدقه ؛ لأنه قد يبدو من فحوى بيانه ما يدل على جنانه كما قال تعالى سبحانه في شأن المنافقين ومن في قلوبهم مرض : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ . . . ( 30 ) [ محمد ] فإذا لمح المخادع من النظرات التي