محمد أبو زهرة

620

زهرة التفاسير

عفو ، لا مباح ، أي أن الأولى تركه ، ونحن نخالف أصحاب هذا الرأي لأن الرخصة تقتضى أن تكون هناك عزيمة مانعة من الكسب ، ولم يقم دليل على منع الكسب ، فيبقى على الإباحة الأصلية ، وجاءت الآية الكريمة مؤكدة لهذه الإباحة بنفي الإثم ، ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم خطّأ الذين يتوهمون أن الاتجار مانع من الحج ؛ ولا يكون الفعل من قبيل العفو إلا إذا كان موضوعه غير مباح ، ولكنه لأحوال خاصة نفى الإثم نحو كل لهو باطل إلا لعب الرجل بقوسه . . إلخ . وطلب المال الحلال أمر مباح بإطلاق ؛ ولقد قال رجل لعمر رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون في الحج فقال رضي الله عنه : وهل كانت معايشهم إلا في الحج ؟ ! وفوق ذلك أن المعنى العام الذي يهيئ له الحج وهو التبادل التجاري بين المسلمين أجمعين ، بأن يقدم كل إقليم فائض ما عنده لأهل الإقليم الذي ينقصه ؛ هو أمر مطلوب يقوى الوحدة الإسلامية ، وهو إحدى منافع الحج المذكورة في قوله : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ . . . ( 28 ) [ الحج ] كما نوهنا ؛ فما نفى عنه الإثم هنا ذكر فائدة هناك ، فكان مشروعا على سبيل الإباحة من الآحاد ؛ وأحسب أنه مطلوب على سبيل الوجوب من الجماعات الإسلامية ، فهو من قبيل المباح بالجزء المطلوب بالكل ، أي أنه مباح للآحاد أن يتجروا في الحج ، وواجب على جماعة كل إقليم وأهل الخبرة منهم أن يقيموا أسباب التبادل التجاري ، فالحج فرصته المهيأة لهم ، ولا فرصة سواه ، أو تبلغ درجته . فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ الفاء هنا لتفصيل بعض ما أجمل من قبل في قوله تعالى : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ . . . ( 197 ) [ البقرة ] إلخ . والإفاضة السير متدافعين في جمع متزاحمين ، وذلك تشبيه لهم بالماء إذا أفاض ودفع بعضه بعضا فانتشر وسال من حافتي الوادي أو الإناء . وعرفات هو الجبل المعروف الذي اتفق الفقهاء على أن الوقوف عنده هو ركن الحج الأكبر حتى لقد قال عليه السلام ، كما ذكرنا من قبل : « الحج عرفة » وسمى اليوم التاسع يوم عرفة ؛ لأنه اليوم الذي يقف فيه الحجيج في ذلك الجبل الذي شرفه الله ذلك التشريف ، وقد اختلف في السبب في تسميته عرفات مع اتفاقهم على أنه اسم مرتجل لا منقول ؛ فقال بعضهم : لأن إبراهيم عليه السلام عرفه بمجرد أن وصف له .