محمد أبو زهرة
618
زهرة التفاسير
ومقتضياتها من ملاذ ومتع ليست محرمة في الإسلام ، بل هي محللة على أن تكون أمة للعقل والروح والإرادة الحازمة الفاضلة لا أن تكون سيدا حاكما مسيرا ، أو أن تكون الغاية والقصد ، فتلك هي الحيوانية . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ الجناح هنا الإثم ؛ وأصله من جنح إذا مال ؛ يقال جنحت السفينة إذا مالت ؛ وقال تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . . ( 61 ) [ الأنفال ] . ولما كان الإثم ميلا متطرفا نحو الباطل صارت كلمة الجناح تطلق على الإثم لما فيه من معنى الانحراف المائل عن الحق ، والابتغاء : الطلب الشديد . والفضل أصل معناه الزيادة وهي تكون في الخير وفي الشر ؛ ولكن يعبر عن الزيادة القبيحة بأنها فضول ، وعن الزيادة في الخير بأنها فضل ؛ فزيادة العالم على الجاهل فضل ، وزيادة المصلح على المفسد فضل ؛ وزيادة الأعمال والمقاصد الخيرة على غيرها فضيلة . وتطلق كلمة فضل ويراد بها المال الحلال من التجارة التي لوحظت فيها الفضيلة ؛ ولقد جاء ذلك في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) [ الجمعة ] ، وقد تطابقت كلمة المفسرين على أن الفضل في هذه الآية الكريمة هو المال الحلال المكتسب من التجارة أو غيرها ؛ لأنه جاء في السنة النبوية التصريح بذلك ؛ فقد كان الناس يتأثمون من الاتجار في عشر ذي الحجة الأولى « 1 » ؛ لأنهم يحسبون أن تلك الأيام تكون للعبادة خالصة لا يخالطها أي أمر من أمور الدنيا ؛ وكانوا يسمون من يتجر في هذه الأيام الداج لا الحاج ؛ لأنهم أعوان الحجيج في غايتهم الروحية ، فنزل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ
--> ( 1 ) عن ابن عبّاس رضى اللّه عنهما قال : كانت عكّاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهليّة ، فلمّا كان الإسلام فكأنّهم تأثّموا فيه ، ف نزلت ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج . قرأها ابن عبّاس . [ صحيح البخاري : كتاب البيوع ( 1909 ) ] ، وقراءة ابن عبّاس « في مواسم الحجّ » معدودة من الشّاذّ الّذى صحّ إسناده وهو حجّة وليس بقران . قاله الحافظ ابن حجر في الفتح .