محمد أبو زهرة

604

زهرة التفاسير

فهو يستعمل للحبس بالعدو وبالمرض ونحوه ، وأما الحصر فيستعمل في المنع من ذات الشخص بالمرض ونحوه فقط . ولقد قال أبو العباس المبرد والزجاج : إن كليهما يكون للحبس بعمل العدو ، وبالمرض ونحوه ؛ ولكنهما مع ذلك مختلفان في المعنى ؛ فالحصر معناه الحبس ، والإحصار معناه التعرض للحبس والضيق ، بالعدو أو المرض ؛ كما يقال حبسه بمعنى أدخله في المحبس ، وأحبسه بمعنى عرضه للحبس ، وقتله بمعنى أوقع به القتل ، وأقتله بمعنى عرضه للقتل ، وقبره بمعنى دفنه ، وأقبره بمعنى عرضه للدفن . وعندي أن هذا هو الفرق الدقيق الذي يكون بين الحصر والإحصار ، فالفرق بينهما في معنى الاستعمال الدقيق ؛ لا في موضع الاستعمال . وقد فصلنا القول ذلك التفصيل في هذا اللفظ ، وانتهينا إلى ما انتهينا إليه ؛ لأن الفقهاء اختلفوا في الحكم ، وبنوا اختلافهم على اختلاف اللغويين في معنى اللفظ ؛ فالحنفية قرروا أن الإحصار بالمرض أو بالعدو يسيغ التحلل بذبح الهدى ، على أن يقضى الحج والعمرة من بعد إن كان الإحرام بعمرة ؛ والمالكية والشافعية قرروا أن الإحصار في الآية لا يكون إلا من العدو ؛ أما المريض فإنه يستمر على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ، ويذهب إلى البيت فيطوف به سبعا ، ويسعى بين الصفا والمروة ، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه ؛ وقريب من ذلك قال المالكية ؛ فإنهم يرون أيضا أن المريض لا يتحلل بالذبح ، بل ينتظر حتى يبرأ من المرض ، فإن برئ وكان في استطاعته أداء الحج بأن يدرك وقفة عرفات أتم الحج ، وإن لم يدرك كان مخيرا بين أن يستمر على إحرامه حتى يؤدى من قابل ، وبين أن يذهب ويتحلل بالطواف والسعي بين الصفا والمروة ؛ وقد أخذوا ذلك الحكم من الآية الكريمة ، إذ فهموا أن الإحصار لا يكون إلا للعدو ؛ ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم عندما منع هو وأصحابه من أداء الحج تحللوا بالذبح « 1 » وأما المرض فلم يرد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه بذاته أباح التحلل

--> ( 1 ) قال ابن عبّاس - رضى اللّه عنهما : قد أحصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتّى اعتمر عاما قابلا . [ رواه البخاري : الحج - إذا أحصر المعتمر ( 1681 ) ] .