محمد أبو زهرة
598
زهرة التفاسير
هاتان الآيتان متصلتان بما قبلهما أوثق الاتصال ، وذلك بأن الآيات الكريمة من قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . ( 177 ) [ البقرة ] فيها تنظيم للجماعة الفاضلة ؛ ببيان حق الفقير في مال الغنى ، وبيان المساواة العادلة في تطبيق القوانين الإسلامية ؛ لا فرق بين قوى وضعيف ، ولا شريف ووضيع ، وبيان أن العقوبة تكون على قدر الجريمة ، وإن في ذلك حياة الجماعة حياة فاضلة عادلة وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . . . ( 179 ) [ البقرة ] وفيها تنظيم للأسرة بالتعاون بين آحادها ؛ بأن يمد الغنى الفقير بالهبات في الحياة ، والوصايا بعد الوفاة ، وفيها بيان لما يهذب النفس ، ويقوى الروح فذكر الصيام ، ثم فيه إشارة إلى الحج الذي يجمع في ثناياه بين إصلاح الآحاد في ذات أنفسهم ، وإصلاح الجماعة وتنظيمها ، وفي أحكامه تتلاقى ذرائع التنظيم الاجتماعي ، والإصلاح النفسي ؛ فهو في ذاته رحلة روحية يشارف المؤمن فيها المقام القدسي ، إذ يحل في المكان الذي شرفه الله سبحانه بنسبته إليه ، ووضع قواعده النبيون الصديقون ، وفيه الصدقات وإمداد الفقراء ؛ بل في بعض كفاراته الصوم ؛ وفيه التنظيم الاجتماعي العام بالتعارف بين المسلمين في كل البقاع ؛ فكان حقا أن يجئ الحج بعد الأحكام المنظمة ، والعبادات المصلحة للنفس ، المهذبة للروح ؛ لأنه يجمعها في أحكامه . ولكن الحج في إبان نزول القرآن كان متعذرا أو متعسرا ؛ لأن المزار الأكبر وهو البيت الحرام ، والمشعر الحرام ، كان المشركون قد سيطروا عليه ، والأصنام تحيط به من كل جانب ، وهم يمنعون المسلمين منه ، والعداوة بينهم وبين النبي وصحبه مستعرة ؛ فكان لا بد من القتال للوصول إليه ، وأداء تلك الشريعة الإسلامية ؛ لذلك جاء ذكر