محمد أبو زهرة
589
زهرة التفاسير
لَكُمْ . . . ( 216 ) [ البقرة ] فكان من حصر القتال في أضيق دائرة أن يتفق الفريقان على إلقاء السلاح أمدا معلوما في أثناء القتال لعل العقول تثوب إلى رشدها ، والنفوس تهدأ حدّتها ، فيكون التفاهم والسلام وحقن الدماء . وإذا كان ثمة أشهر يحرم فيها ، ويرتضى الفريق الآخر ذلك التحريم حقنا للدماء فيها ، فإنها ستكون هدنة في أوار الحرب ، ولعلها تكون نسيم السلام ؛ ولقد لاحظ الناس بالتجارب المستمرة أنه ما كانت هدنة في حرب ضروس إلا فلّت حدتها ، وأضعفت شرّتها ؛ والله عليم بذات الصدور . وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ تعالت كلمات الله ؛ تلك حكمة بالغة ، وكلمة جامعة لكل ما سبقها من معان في القتال ومبينة لمقاصد الإسلام في علاقات المسلمين مع غيرهم ، وعلاقة بعضهم ببعض في اجتماعهم ، وهي قضية خلقية سليمة صحيحة تقبلها العقول السليمة ، وتقرها الأخلاق القويمة . والحرمات : جمع حرمة ، كما أن الحجرات جمع حجرة ؛ والظلمات جمع ظلمة ، والحرمة الأمر الذي حرمه الله ومنع انتهاكه ، والقصاص من معانيه المساواة ، وتتبع آثار الجريمة بالعقوبة ، ومعنى القصاص في الحرمات أن يعامل منتهك الحرمات بمثل ما فعل ، وأن يكون العقاب من جنس العمل ، وألا يقيد المعاقب بحرمة انتهكها الجاني ، فإذا انتهك الجاني حرمة النفس بقتلها ، لا يتقيد المعاقب بحرمة نفسه ، بل يقتص منها ، لأنه إذا انتهك حرمة غيره بقتل أو اعتداء فقد أباح من حرماته مقابل ما انتهك . ومعنى قوله تعالى : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ في هذا المقام « 1 » أن ما انتهكوه من حرمة الأنفس بقتلها وفتنتها عن دينها ، وحرمة البيت الحرام التي انتهكوها بإخراج أهله منه وصدهم عنه ، وقتالهم فيه ، وحرمة الشهر الحرام إذا انتهكوها ، كل هذا
--> ( 1 ) يثير الفقهاء بحوثا في هذه القضية عند تطبيقها تطبيقا جزئيا ، ويختلفون في حل ما يثيرونه بتطبيقها عليه ؛ ومن هذه الأمور التي يثيرونها : أيسوغ للشخص أن يقتص لحقه بغير أمر الحاكم ؟ لقد اتفقوا على أنه في الدماء لا يسوغ ذلك قط ؛ بل لا بد من حكم الحاكم ليكون القصاص ؛ أما في الأموال إذا اغتصبت أو أنكرت فهل يسوغ أخذها من غير حكم ؟ بعض الفقهاء منع ذلك منعا مطلقا ، ولكن أولئك ليسوا الأكثرين ، وجمهور الفقهاء على أن الشخص إن ظفر بعين حقه أو بمال من جنسه أخذه ، ويكاد يتعقد الإجماع على الأول ، أما ما كان من الجنس فالأكثرون على الجواز ما دام لا يعد سرقة ؛ فعلى ذلك الحنفية والشافعية وأكثر المالكية ، وأما إن ظفر بغير جنسه من مال مغتصبه ، فقال بعضهم يسوغ ، وبعضهم لا يسوغ ، وهو المعقول حتى لا تكون أمور الناس فوضى .