محمد أبو زهرة
585
زهرة التفاسير
الحق يجعل المبطل يمترئ الظلم ، فيكرر الاعتداء في البيت الحرام ، إذ يراه أنهز للفرصة ، وأنكى للمسلمين ، إذ يقتلون ولا يقاتلون . ومثل حرمة القتال في البيت الحرام القتال في الشهر الحرام ؛ فإن الله سبحانه قد حرم القتال فيه ؛ ولكن إن اعتدى المشركون فقاتلوا فيه لا يلقى إليهم المسلمون السلم لينالوا منهم ؛ وهذا ما تعرضت له الآية الأولى من هاتين الآيتين : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ : الباء هنا للمقابلة ، أي الشهر الحرام من جانبكم مقابل بالشهر الحرام من جانبهم ؛ فإن تقيدوا بالحرمة فيه ولم يثيروا حربا ولم يعتدوا ، التزمتم حرمته ، ولم تقاتلوهم فيه ، ولو كان قتالهم في ذاته عدلا ، بعد أن فتنوا الناس عن دينهم ؛ وإن انتهكوا حرمة الشهر الحرام ، ونابذوكم فيه وقاتلوكم فلا تكفوا عن قتالهم ، ولا تقبضوا أيديكم عنهم احتراما له ؛ بل ابسطوا عليهم أيديكم ، وخذوهم إلى الحق من نواصيهم ؛ لأنه إذا كان الشهر الحرام واجب الصيانة فنفوس المؤمنين ألزم صيانة وأحق بها ، وإذا تعارضت الحقوق والواجبات قدم ألزمها ، وأحفظها لدين الله وإعلاء كلمته ؛ ولا شك أن ترك المشركين يكلبون في المؤمنين ويشتدون عليهم ، أشد ضررا من القتال في الشهر الحرام الذي انتهكوا حرمته ، وقد أخرجوا من قلوبهم كل حريجة دينية وخلقية وإنسانية . و « أل » في كلمة الشَّهْرُ هي التي يسميها علماء اللغة : أل الجنسية ، والشهر هنا مفرد في معنى الجمع ؛ لأن الشهر الحرام ليس واحدا ، بل هي أربعة أشهر : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب الذي بين جمادى وشعبان ، والتعبير بالمفرد وإرادة الجمع فيه إشارة إلى المعنى المشترك في هذه الأشهر الأربعة ، وهو تحريم القتال ابتداء فيها ، احتراما لها ، ولبث روح الأمن والطمأنينة بين الناس ؛ لأن المعنى الجامع لها جعلها وحدة قائمة بذاتها ، وكأنها معنى واحد تعددت صوره ؛ فالتعبير عن الجمع بلفظ هو في أصل ذاته للمفرد ، مشيرا إلى الوحدة المشتركة الجامعة بين الأفراد ، مبينا أن الحكم قد نيط بالمعنى الجامع بينها ، ولا يتصل بالصفات الشخصية المميزة لآحادها .