محمد أبو زهرة
583
زهرة التفاسير
خاصة ، ولا يجوز لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص . فبهت القاضي الزنجاني . وهذا من بديع الكلام . قال ابن العربي : « فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه ، لنص الآية والسنة الثابتة بالنهى عن القتال فيه . وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه ، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيقتل بنص القرآن » . وأما ما احتجوا به من قتل ابن خطل وأصحابه في الحرم فلا حجة فيه ، « إن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر ، وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال ، فثبت وصح أن القول الأول أصح ، واللّه أعلم . الرابعة : قال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر ، والكافر يقتل إذا قاتل بكل حال ، والباغي إذا قاتل يقاتل بنية الدفع ، ولا يتبع مدبرا ولا يجهز على جريح . الخامسة : قوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا أي عن قتالكم بالإيمان فإن اللّه يغفر لهم جميع ما تقدم ، ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم . نظير قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ . . . ( 38 ) [ الأنفال ] . وسيأتي . قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ فيه مسئلتان : الأولى : قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع ، على من رآها ناسخة ، ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال اللّه فيهم : فَإِنْ قاتَلُوكُمْ والأول أظهر ، وهو أمر بقتال مطلق ، لا بشرط أن يبدأ الكفار . دليل ذلك قوله تعالى : وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » « 1 » . فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو
--> ( 1 ) عن ابن عمر أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّى دماءهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام وحسابهم على اللّه » . [ متفق عليه : رواه البخاري : الإيمان ( 24 ) ، ومسلم ( 33 ) ] .