محمد أبو زهرة
580
زهرة التفاسير
وقوله تعالى : وَلا تَعْتَدُوا قيل في تأويله ما قدمناه ، فهي محكمة . فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة ، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة . ومن أسرّ الاعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب . وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق . وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه اللّه ، كالحمية وكسب الذكر ، بل قاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم . يعني دينا وإظهارا للكلمة . وقيل : لا تعتدوا ، أي لا تقاتلوا من لم يقاتل . فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار ، واللّه أعلم . قوله تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وفيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : ثَقِفْتُمُوهُمْ يقال : ثقف يثقف ثقفا ، ورجل ثقف لقف : إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور . وفي هذا دليل على قتل الأسير . وسيأتي بيان هذا في « الأنفال » إن شاء اللّه تعالى . وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي مكة . قال الطبري : الخطاب للمهاجرين ، والضمير لكفار قريش . الثانية : قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل . قال مجاهد : أي من أن يقتل المؤمن ، فالقتل أخف عليه من الفتنة . وقال غيره : أي شركهم باللّه وكفرهم به أعظم جرما وأشر من القتل الذي عيروكم به . وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبد اللّه التميمي في آخر يوم من رجب بالشهر الحرام ، حسب ما هو مذكور في سرية عبد اللّه بن حجش . على ما يأتي بيانه ، قاله الطبري وغيره .