محمد أبو زهرة
566
زهرة التفاسير
تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي تخونون باستباحة ما أحل الله لكم إذ تضطرون بحكم العلاقة الشرعية والإنسانية أن يكون منكم لأزواجكم ما يظنونه ممنوعا ، وهو غير ممنوع فتاب عليكم من هذا الظن وبين لكم أنه حلال قال تعالى آمرا بإباحة المباشرة ، وحدا لميقات الصوم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ . المباشرة كناية عن الجماع ، ككناية الملامسة ، والرفث إليهن ، ولكنها أقرب إلى الصراحة من الملامسة والمس . وابتغاء ما كتب الله تعالى هو ابتغاء الولد حفظا للنسل ، وعمارة للكون بالإنسان الذي هو الخليفة في هذه الأرض ، فالنكاح ما شرعه الله تعالى إلا لابتغاء ذلك لا لمجرد الشهوة ، وإن الله تعالى قد أودع غرائز الإنسان ما ينوط به تكليفه فأودع فيه الشهوة ليسهل وجود النسل وتكاثره ، وإن الأسرة تكليف شديد ، ويتعلق به تبعات كثيرة من تربية الأولاد ، والإنفاق وحضانتهم ، وحمله كرها ووضعه كرها ، وحمله وهنا على وهن ، وغير ذلك من المشاق الظاهرة ولولا الشهوة الدافعة ما تزوج ولا تزوجت ، ولكن الله تعالى لحكمته ، ولما كتبه من البقاء للإنسان ركب فيه هذه الغريزة الجنسية لتدفعه إلى الزواج راغبا ولطلب الولد محبا . والذين يدعون إلى الحد من النسل وأن تكون الشهوة للشهوة لا لطلب الولد ، محاربون للفطرة ، وينحدرون إلى درك دون الإنسان ، بل دون الحيوان . وذكر نعمة الولد وقال : وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، أي ما قدر الله تعالى لكم من ولد وهذا إشارة إلى أن الولد ؛ رزق كتبه الله تعالى لكم ، فأكرموه ؛ لأنه عطاء الله واحفظوه لأنه أمانته التي كتبها لكم وائتمنكم عليها . وحدّ الله تعالى ميقات الإفطار والصوم ، فقال تعالت كلماته : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .