محمد أبو زهرة
54
زهرة التفاسير
ثانيا : أن الرحمة في « الرحمن » أكثر من « الرحيم » ؛ ولذلك قالوا : إن رحمة الرحمن ، هي الرحمة بالوجود كله ، فبرحمة الرحمن يرزق الله من في السماوات والأرض ، وبرحمته الواسعة ينزل الغيث ، ويرسل الرياح ، ومهّد الأرض ، وجعل الجبال ، وبرحمة الرحمن بعث الرسل مبشرين ومنذرين ، وبرحمة الرحمن جازى المحسن بإحسانه ، والمسىء بإساءته مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) [ الأنعام ] . وهكذا كانت رحمة الرحمن شاملة الوجود كله ، والرحيم متعلق في رحمته بالمكلفين . ثالثا : أن « الرحمن » أكثر رحمة لما في الوصف بالرحمة فيه من شمول يشمل الوجود الإنسانى كله ، ووصف « الرحيم » خاص بالمكلفين ، كما يدل على ذلك سياق اللفظ في القرآن الكريم . ومن هذا الاستقراء والتتبع ، واستنباط المعاني لألفاظ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من استعمال القرآن ننتهي إلى أن بيان معاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نتلو القرآن مبتدءين تالين لآياته باسمه الأقدس . نتبرك به ونتيمن ونسبح باسمه ، وهو الله الإله المتفرد بالخلق والتكوين والتدبير والمتفرد بالعبودية وحده جل جلاله لأنه بديع السماوات والأرض والوجود كله ، وهو « الرحمن » ذو الرحمة الواسعة التي تعم الوجود كله في السماوات والأرض ، والدنيا والآخرة ، المدبر للوجود برحمته ، وهو « الرحيم » بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم ، ويشرع لهم من الشرائع ما يكون خيرا لهم في معادهم ومعاشهم ، وهو بكل شئ عليم .