محمد أبو زهرة

37

زهرة التفاسير

الظاهر ، ومن ادعى فهم أسرار القرآن وهو لم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يريد البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب ، أو يدعى فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك ، فإن ظاهر التفسير يجرى مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم . والمعنى الباطن الذي جاء على حكم الغزالي ليس هو ما عند الباطنية كما ذكرنا ، إنما هو تحرى الدقائق التي تكون في مطوىّ ألفاظ القرآن ، والأسرار التي لا يدركها إلا العلماء المتخصصون في العلوم المختلفة كل بمقدار طاقته في علمه بعد فهم ظاهر اللفظ وما فيه من مجاز وحذف وإضمار ، وعموم وخصوص ، وإطلاق وتقييد . ويقول حجة الإسلام عمّا فيه من أسرار ما نصه : « وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسرار بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم ، وتوفر دواعيهم على التدبر ، وتجردهم للطلب ، ويكون لكل واحد حدّ في الترقي إلى درجة أعلى منه ، أما الاستيفاء فلا مطمع فيه ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما ، فأسرار كلمات الله تعالى لا نهاية لها ، فمن هذا الوجه يتفاوت الخلق في الفهم بعد معرفة ظاهر التفسير ، وظاهر التفسير لا يغنى عنه » . هذا ما نقلناه عن الغزالي وذلك ما قاله ابن تيمية ، ونحن بلا ريب نأخذ برأي الغزالي وعليه سار المفسرون ، حتى مفسرو الروية ، فإنهم لا يردونه ، حتى شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري ، فاختياره من أقوال التابعين فيه عمق ، واتجاه إلى تعرف الأسرار في الألفاظ القرآنية ، والعبارات ، واستقصاء المعاني . وقد يقول قائل : إن الغزالي يشجع تفسير القرآن بالعلوم الكونية ، فهل نشجعه كما شجع ؟ للإجابة على هذا السؤال نقول : إن ما يكون من آيات القرآن دالا على حقيقة علمية كما تلونا في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) [ الأنبياء ] فإنه بلا ريب أن بيان الحقيقة العلمية يكون من بيان القرآن ، ويعتمد فيه على كلام أهل الخبرة ، وذلك كقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا