محمد أبو زهرة
34
زهرة التفاسير
بأن يقول التفسير صحابي أو تابعي ، ولا يتصور أن يكون ذلك من غير النبي صلى اللّه عليه وسلم وليس للرأي فيه مجال ، فإذا كان للرأي فيه مجال فاحتمال أن يكون ذلك من رأى الصحابي أو التابعي ، وخصوصا أنه في عهد التابعين أدخلت الإسرائيليات ، ونقل عبد الله بن عمرو بن العاص حمولة زاملتين في موقعة اليرموك ، وإن ما نقل لنا عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من تفسير ليس كل التفسير ، ولا جلّه . ثانيها : أن الراجح أن تفسير الصحابة الذين قالوه لم ينسبوه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكان من المحتمل أن يكون بآرائهم ، وإن كان لها فضل الاقتباس من هدى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن واجب الاقتداء بهم أن نفسر بالرأي مثلهم مسترشدين بأقوالهم في فهم الآيات كما نسترشد بآرائهم في الفقه ، وفي معاني الألفاظ العربية . ثالثها : أن الصحابة اختلفوا ، وكذلك التابعون ، وسماع كل هذه الأقوال محال ، فلا بد أن يكون بعضها صحيحا وبعضها غير صحيح . ولو كان بعضها مسموعا لوجب رد الباقي ، ولا يمكن معرفة ما يرد وما يبقى ؛ لأن المسموع منها غير متميز ولا معين ، ويؤدى هذا إلى أن بعض هذه الأقوال كان بالرأي ، وأن المتبع للآثار ولا يعدوها لا يكون له مناص من أن يختار من هذه الأقوال المختلفة ، وأن ذلك سيحمله على أن يعمل الرأي في تخير ما يختار ، ويكون المتبع قد فر من الرأي ابتداء ثم وقع فيه انتهاء . ويبين الغزالي موضع النهى عن الرأي في فهم القرآن فيرى أنه في موضعين : أولهما : أن يكون له رأى في موضوع الآية ، ويميل إليه بطبعه وهواه ، فيتأوّل الآية من القرآن لتكون على وفق رأيه ، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى ما كان ليلوح إليه ذلك المعنى . وهذا تارة يكون مع العلم بأنه ينزل القرآن على فكره وهواه كبعض المبتدعة الذين يجادلون في آيات الله ويلحفون في الجدل للغلب ، وهم يدركون أن القرآن لا يؤيد رأيهم ولكن يتغالبون به . وقد يكون غير قاصد الغلب ، بأن تكون الآية تحتمل معنيين أو تبدو له كذلك ، فيختار منهما ما يكون أوفق مع فكره ، ولولا فكره السابق ما اختار ذلك المعنى .