محمد أبو زهرة

29

زهرة التفاسير

فإنها فروض لم يثبت صدقها . وإنما الأخبار الصحيحة - أي من حيث السند - التي تكون تفسيرا للقرآن ولا تجوز مخالفتها هي الأخبار التي لا يطعن في صحة متنها ولا تخالف أمرا يقطع العقل بخلافه . هل النبي صلى اللّه عليه وسلم فسر القرآن كله ؟ إن ابن تيمية العالم الفقيه يقول « 1 » : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بين القرآن كله ، ولم يترك فيه جزءا يحتاج إلى بيان ولم يبينه ، ولا جزءا يحتاج إلى تفصيل ولم يفصله ، ولا مطلقا يحتاج إلى تقييد ولم يقيده ، ويحسب أن ذلك جزء يجب الإيمان به لقوله تعالى : . . . وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . . ( 44 ) [ النحل ] . وقد تلقى الصحابة تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد قال عبد الرحمن السلمى : « حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى اللّه عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل » . وإن الصحابة كانوا لا يستحفظون القرآن فقط ، بل كانوا يتعلمونه ويتعلمون معانيه ، ويقول في ذلك رضي الله عنه - أي ابن تيمية - : « من المعلوم أن كل المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه ، فالعادة تقرّ ألا يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ، ولا يستشرحوه ، فكيف بالكلام الذي هو عصمتهم ونجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم ؛ ولهذا كان النزاع في تفسير القرآن قليلا جدا » . ويتعين علينا إذن أن نقول إن تفسير الصحابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هو تفسير الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا ما ثبت عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من قول يخالفه . وإن الصحابة علّموا تلاميذهم من التابعين ما تلقوا عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وهم أهل صدق ، فابن عباس كان له تلاميذ تلقوا عنه كمجاهد ، وعكرمة ، ونافع وغيرهم ممن تلقوا عن ابن عباس ، ولكن ما ينسب إلى التابعين يجب تمحيصه ، فقد نفذت

--> ( 1 ) راجع هذا المبحث في مقدمة أصول التفسير لابن تيمية .