محمد أبو زهرة

25

زهرة التفاسير

الله محمد صلى اللّه عليه وسلم ما دام القرآن يتسع لمدلوله ، ولا نقدم عليه احتمالا آخر مهما تكن مكانة قائله من الفقه والبيان ؛ فإنه مهما يكن لا يناهد مقامه مقام مبلّغ الرسالة في الإحكام ، ولا مقامه في البيان ، وإدراك معاني القرآن ؛ ولذا نعد السنة النبوية هي المفسر الأول . ويلي ذلك تفسير الصحابة الذي صحت نسبته إليهم ، وخصوصا علماءهم ، والسابقين الأولين الذين قال تعالى عنهم في بيعة الرضوان : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) [ الفتح ] . ونأخذ بأقوال هؤلاء على أساس ألا تخالف نصا قرآنيا ، أو تناهضه ، أو تحمله ما لا يحتمل ، وعلمهم بالقرآن أعظم من علمنا به ؛ إذ كانوا كما أشرنا من قبل أهل بيعة الرضوان ، لا الذين جاءوا بعد الحديبية ، وكان بعض أولئك من الذين لهم جهاد مذكور مشهور ، لا يغض من مقامهم ، ولكن ليسوا حجة في فهم القرآن إلا من ناحية اللغة والبيان ؛ فإن ذوقهم العربي ربما يجعل لقولهم مكانا ، ولم يعن أحد من هؤلاء بالتفسير رواية أو دراية ؛ لأنهم شغلوا بغيره ، إلا ما كان من ابن عباس ، وأشباهه من شباب الصحابة الذين وعوا أفاويقه في آخر حياة الرسول ، ومنهم بعض من التزموا الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فقد كان ابن عباس ترجمان القرآن كما عبر بعض علماء الصحابة ، وقد أخذ من علم كثير من الصحابة ، وخصوصا ابن عمه عليا ، الذي قال فيه ابن عباس : ما انتفعت بكلام بعد كلام محمد صلى اللّه عليه وسلم كما انتفعت بكلام علي كرم الله وجهه . فقد كان على أستاذه بعد المرشد الأكبر محمد صلى اللّه عليه وسلم . وإن الصحابة علموا التابعين مما تعلموا من فهم القرآن وأولئك هم التابعون ، فما صح عن التابعين أهل الثقة الذين لازموا الصحابة واختزنوا علمهم ، وهو علم بنوه ونقلوه نقلا صحيحا أخذنا به . بيد أنه يجب الاحتراس عند الأخذ من الأقوال