محمد أبو زهرة
23
زهرة التفاسير
المنهاج الذي اتبعناه : نحن ممن يتبعون إلى حد ما ؛ ما كان يقوله الأستاذ العظيم العبقري عاطف بركات في أن القرآن كتاب مبين لا يحتاج إلى تفسير ، فإنه لا إبهام فيه يحتاج إلى توضيح ، وكل من يحاول توضيحه لا يصل إليه ، فمن ذا الذي يصل إلى آفاقه ، وممن كتب في تفسيره من الماضين من حجب معانيه بكثرة الأقوال المتعارضة والآراء المتباينة ، حتى أثار غبارا حجب عن الباحث نوره . ولكن القرآن الكريم فيه فقه هذا الدين ، وفيه خبر من مضى ، وعلم الآخرين ، وفيه علم الكون والوجود الإنسانى ، وفيه توجيه إلى مناحى الحياة ، وفيه القصص الحكيم ، وفيه أسماء الأماكن وإشارات إلى وقائع ، وفي الجملة فيه الكون والإنسان ، وهو فوق ذلك حمّال للمعاني السليمة ، وفيه علوم الدولة والآحاد ، فلا بد من أن يتصدى لذلك أهل الخبرة في العلوم ، والفقه ، واللغة والبيان ، وإن كانوا لا يبلغون الغاية ، ولا ينالون مما يبغون الكفاية . فلا بد أن يكون للقرآن تفسير تتولاه جماعة علمية ، من أولى العصبة من العلماء ، ولكن لا نجد التعاون العلمي الجماعي ، في الحاضر ، وقد حاولناه مع غيرنا ، ولم نجد ذلك التعاون في الماضي ، وإن وجدنا مخلصين لله وكتابه ، مستبحرين في علوم الآثار واللغة ، ويا حبذا لو أن هؤلاء اجتمعت آراؤهم ، وأضيف إليها ما يراه علماء الكون في آيات الله الكونية ، على ألا نطوع القرآن لنظرية مفروضة ، ولا أن نرهق ألفاظه لتحتمل نظرية لم يتحقق صدقها ، ولكن ليستعان به لتأييدها ، لا كأولئك الذين يرون صحة الفروض التي تقول بالنشوء والارتقاء ويريدون أن يؤيدوها من القرآن ، أو يحملوا ألفاظ القرآن لها ليروجوها ! اتجهنا إلى كتابة معاني القرآن ، كما ظهرت لنا ، وكما أدركت عقولنا ، وكما بلغته طاقتنا ، غير محمّلين وضعا ما لا يحتمل ، أو نطوعه لتفكير سيق إلينا ، ولسنا منكرين لما بذله العلماء الذين خصوا معاني القرآن بأكبر عناية ، بل إننا نجد فيما كتبوا أو نقل عنهم ذخيرتنا التي ندّرع بها غير مفتاتين عليهم في قول ، ولا متهجمين