سميح عاطف الزين
266
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
على أنّ الضرورات تبيح المحظورات ، وقد أحلّ اللّه تعالى بعض المحرّمات لحالات الضرورة كما في قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) « 1 » ، فإن أحلّت الميتة من أجل الضرورة فلم لا يحل الربا عندما يكون الإنسان مضطرا لمبلغ من المال يقضي به حاجته ؟ . ويمكن الإجابة على هذا التساؤل بما يلي : أولا : إن الضرورة المسوّغة شرعا في الآية الكريمة المذكورة ، لا محل لها في الربا ، لا بالنسبة إلى القابض ، ولا بالنسبة إلى الدافع . لأن القابض الذي يأخذ المال من آخر ، ليس محكوما بالعدم ، ويفترض أن لديه من المال ما يقيم به الأود ، ولو يوما واحدا ، في حين أن الآية الكريمة أحلّت الميتة والدم ولحم الخنزير لمن أشرف على الهلاك من الجوع . والحاجة إلى المال ، مهما كانت ملحة ، لا تدفع إلى الهلاك . . ولأن دافع المال ، لا ضرورة تدفعه لأن يرابي لتزيد أمواله ، فلم لا يقرض المحتاج ، أو يداينه ، ويعتبر عمله صدقة ؟ أفلا يتّعظ بقول اللّه تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ؟ . وعلى كل حال فإن القابض إذا سوّغت له الضرورة أخذ المال ، فإنها لا تسوّغ له دفع الزيادة التي اشترطت عليه ، وإذا أخذت قهرا عنه فلا تحل للآخذ ، بل تكون أكلا للمال بالباطل . ثانيا : لا تلازم بين تحليل الميتة مثلا للمضطر ، وبين تحليل أموال الغير . . أجل ، قال الفقهاء : إذا انحصر حفظ الحياة بأكل مال الغير جاز أن
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 172 .