سميح عاطف الزين
25
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بحيث جعل هذا الإشباع أمرا حتميّا في صميم فطرته وخلقه البشري . . ومن هنا كان سعيه وراء المال لتأمين حيازته حتى يحقق ذلك الإشباع . ومن هنا أيضا كان جهده لحيازة الثروة ، التي يحس أنها حاجة فطرية في داخله ، وأنها أمر لا يمكنه القعود عنه ، ولا التخلّي عن طلبه . ولذا كانت محاولة منع الإنسان من حيازة الثروة مخالفة للفطرة ، كما أن كل محاولة لتحديد حيازته بمقدار معين من المال أو الثروة مخالفة للفطرة كذلك . فكان من حق الإنسان أن ينظر باستغراب إلى أية أنظمة تحول بينه وبين حيازة الثروة ، وبينه وبين العمل لهذه الحيازة . ولكن هذه الحيازة ، وإن كرّسها الشرع ، فلا يجوز أن يفعل الإنسان ما يشاء لكي ينالها ، بل هي مقيدة بالحلال والحرام في كل حال . وقد حدد الشرع أسباب التملك بأحوال معينة ، وذلك بصورة حصرية ، ودون إطلاق . أي أنه جعل تحت كل سبب عدة فروع تنبثق عنه ، وتتأتّى من أحكامه ، ولم يعط أحكاما كلية تترتب عليها كليات أخرى ، لأن الحاجات المتجددة إنما تكون في الأموال المحدثة لا في المعاملات . وفي هذا تحديد للملكية الفردية على الوجه الذي يتفق مع الفطرة ، وينظم هذه الملكية ، وذلك لحماية المجتمع من الأخطار التي قد تترتب على إطلاقها . والمراد من وراء ذلك كله هو أن الملكية مظهر من مظاهر غريزة البقاء ( كما أن الزواج مظهر من مظاهر غريزة النوع ، والعبادات مظهر من مظاهر غريزة التديّن ) ، فلو أطلقت الحريّة في هذه المظاهر - دون أيّ تحديد أو تقييد - لأدّى ذلك إلى الإشباع الشاذ ، أو الخاطىء ، وبالتالي إلى الفوضى والاضطراب في نظام العلاقات في المجتمع . ومن هنا كانت أهمية تحديد الكيفية التي يحصل فيها الإنسان على المال ، حتى لا يتحكم أفراد قلائل - بواسطة هذا المال - في الأمة ، وتحرم من جرّائه