سميح عاطف الزين

19

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

سبحانه وتعالى يمدّ الكفار بكل أسباب القوة والجاه والسلطان ، وبالأموال والممتلكات والثروات ، بينما يرى كثيرا من المؤمنين يكدّون ويجهدون لتحصيل قوتهم ثم لا يصلون إلا إلى الحدّ الأدنى من بحبوحة العيش . . . فحذار من هذا الظنّ لأن الحكمة الإلهيّة في ذلك الإمداد واضحة وضوح الشمس ، وقد تتبيّن في قوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا « 1 » وقوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) « 2 » . نعم إننا نرى أعداء اللّه - سبحانه وتعالى - وأعداء الحقّ ، ممتّعين ، في ظاهر الحال ، بالقوة والسلطة والمال والجاه ، ونجدهم يلجّون في عتوّهم ، وطغيانهم ، زاعمين أن الأمر قد استقام لهم ، وأنه لا قوة تقوى على الوقوف في وجههم ! ! . . وهذا في الحقيقة وهم باطل ، لأن اللّه سبحانه وتعالى يحذّر الناس أن يظنّوا هذا الظنّ ، فإذا كان اللّه العليم بحالهم لا يأخذهم في دار الدنيا بأعمالهم الفاسدة ، بل كان يعطيهم ، ويمدّهم بما يتوهمون أنه خير لهم ، فإن ذلك في ميزان التدبير الإلهيّ ليس خيرا ، بل هو ابتلاء وفتنة ، واستدراج لهم . . . فكل ما أمدّهم اللّه تعالى به إنما كان استدراجا حقا ، لأن نفوسهم التي امتلأت بالشرّ والفساد ، أبت إلّا أن تبتعد عن خالقها ، وأن تجعل من متاع هذه الدنيا هدفا وحيدا لها ، فأعطاها سبحانه ما أرادت ، ولكنها نسيت ما ينتظرها من عذاب مهين ، هو المقابل لما كانوا يتباهون به من مال ومقام .

--> ( 1 ) سورة مريم ، الآية : 75 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 178 .