سميح عاطف الزين
94
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وبلا أدنى وجل أو حياء يخبر قصيّ الرجل عن نفسه ، وعن نسبه ، وإقامته في حضانة ربيعة بن حرام ، وتوقه للعودة إلى العيش بين ظهراني أهله في قريش ، بعد أن غدا في هذه السن التي يحسّ معها بأنه في ريعان الصبا والشباب . . ويكبر الرجل هذا الفتى ، وخاصة بعدما عرف نسبه ودافعه على الرحيل ، فيعده أن يحمله معه ، بل وأن يبقيه إلى جانبه ، فلا يطاله مكروه . وأزفت الساعة ، وسارت القافلة وقلب قصيّ ممتلئ بالشوق إلى رؤية أهله ، من غير أن يحفل بوعورة المسالك ، أو يعبأ بمشاق السفر ، بل صار يجد الأيام طويلة ، والليالي قاسية ، ما دامت تفصله عن مكة . وتصل القافلة أخيرا ، ويهتدي قصيّ إلى ذويه وأقاربه ، فيعيش بين ظهرانيهم على حلو الحياة ومرّها ، ولكن من غير أن يتقاعس في طلب الكسب والعمل ، إذ قد جاء وهو خالي الوفاض ، ولن يقبل أن يعيش فقيرا ، أو كلّا على غيره ، فيذهب إلى رجل القافلة الذي جاء به من بلاد الشام ، يطلب إليه أن يعمل عنده ، وأن يدرّبه على التجارة والبيع . . قصيّ مجمّع قريش وهكذا دأب قصيّ على العمل بالتجارة ، إلى أن جمع المال الذي مكّنه من المشاركة في القوافل والاتجار لحسابه ، فكان خلال تلك المدة مثال الجد وحسن الرأي والمعاملة حتى صار موضع احترام وتقدير وثقة بني عشيرته ، بل وأهل مكة جميعا . وكانت سدانة البيت في خزاعة ، ويومئذ سيدها حليل بن حبشيّة . فلما أراد قصيّ الزواج ، وقد صار له من المال ما يكفي ، ومن السمعة