سميح عاطف الزين

93

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

يصرّح لها بأنه صار يحسّ بالغربة والوحشة في تلك الديار ، وأنه لا يطيق البقاء بعد ، بل إن مقامه بات يقلقه ، وكأنه دعيّ بين قوم غرباء ! . وتدرك فاطمة عدم الجدوى من إصرارها على ثنيه عن عزمه فتقول له بحسرة : - ولكن هل تسافر بلا زاد ولا رفيق ؟ لا ، يا بني ، أنت لا تعرف الطريق إلى مكة ، ولا الصعاب التي تعترضك في الصحراء الموحشة . ويأتي جواب الفتى قاطعا ، فيقول لأمه : - سيكون زادي الاعتزاز بالنفس ، والحفاظ على الكرامة . أما رفيقي في دربي فسيكون العزم والأمل . وتطيب نفس الأم لمشاعر ابنها ، فترشده إلى ما يجب أن يفعل ، وتوصيه أن يتبيّن القوافل التي تغادر الشام إلى بلاد الحجاز فيذهب في ركب إحداها . ويقوم الفتى يودّع أمه وهو يجهش بالبكاء مثل الطفل الرضيع ، فتحتضنه أمّه إلى صدرها ، والدموع تملأ مآقيها هي الأخرى ، وقد أحسّت بلوعة الفراق تكاد تدمي قلبها ، فانفلت منها وانطلق كالسهم ، فلم تجد إلّا أن تدعو له بالسلامة ، وأن يحالفه التوفيق في سفره ، والنجاح في حياته . . وليس صعبا على فتى مثل قصيّ ، وملؤه الثقة بالنفس ، وصدق العزيمة ، أن يهتدي إلى إحدى القوافل حيث أشارت أمّه إلى أماكن تواجدها ، فجاء ، ودون أن يضيع وقتا ، إلى كبير إحدى القوافل يسأله أن يعمل في قافلته بلا أجر لقاء نقله إلى مكة . . ويستخبر قائد القافلة من الفتى نفسه عما جاء به إلى بلاد الشام ، وما حاجته لهذا السفر بلا رفيق ولا متاع ، وما قصده في ديار مكة البعيدة ؟ ! .