سميح عاطف الزين

81

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ولكن مع ذلك فإنه يتبيّن أن النصرانية لم تتوسّع في أنحاء كثيرة من شبه الجزيرة العربية ، لأنها لم تتمكن أن تستميل قلوب أبنائها ، بل بقيت في أطرافها من الجنوب أو الشمال ، حيث سلطة الروم وقوتهم ، وحيث كان العرب محكومين لهم أو مضطرين لمسايرتهم والتعاون معهم . . تلك هي المعتقدات الدينية التي عرفها بعض العرب في بلادهم التي عاشت الحرية بأجلى مظاهرها وأعمق معانيها ، حتى بات العربي ، في تلك الحقبة من تاريخه ، يرفض أية فكرة تقيّد حريّته وتحدّ من انطلاقته في صحراء شاسعة لا تعرف الأنظمة والقيود ، ولا تقرّ بالقواعد ولا تعرف الضوابط . . . وإنه وإن كانت تلك النزعة قد تعمّقت في نفس العربي ، في جاهليته ، إلى درجة جعلته يكره التسلّط من أيّ مصدر أتاه ، فإنها أيضا قد عطّلت مفاهيمه حول أهم القضايا الرئيسية التي واجهت العقل البشري منذ تفتّحه على الوجود ، كقضية البعث والحياة الآخرة والخلود والثواب والعقاب ، وما إلى ذلك من القضايا التي لامست مشاعر الإنسان . وقد جعل الشهرستاني العرب في نظرتهم إلى هذه القضايا على ثلاث فئات : 1 - الفئة الأولى : التي أنكرت الخلق والبعث والإعادة فقالت : الدهر هو المحيي والمفني ، وفي أصحابها قال القرآن الكريم : وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ « 1 » . 2 - الفئة الثانية : التي أنكرت البعث والإعادة ، فأقرت بالخالق

--> ( 1 ) سورة الجاثية ، الآية : 24 .