سميح عاطف الزين

77

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

على دأبهم هذا ، يشعلون نار الفتنة بين الأوس والخزرج ، وهؤلاء لا يفطنون إلى الشّرك الذي يدبّر لهم ، حتى حلّ الإسلام وآخى الرسول الكريم بين القبيلتين ، فوقفتا له ناصرتين . . . ولكن هذه العصبيّة التي أجّجها اليهود كرها للعرب ، لم تكن قاصرة على أهل يثرب . بل إنّ تعصّب أهل خيبر وتيماء وفدك ووادي القرى لم يقلّ عنهم عداوة وبغضاء . . ومما اشتهر به أيضا يهود شبه الجزيرة ، إتقانهم اللغة العربية وآدابها ، حتى نبغ منهم شعراء ما تزال آثارهم تشهد على طول باعهم بمعرفة تلك اللغة ، كالسّموأل بن عادياء الذي ضرب به المثل في الوفاء والحفاظ على الأمانة . وقد صدق اللّه العظيم حيث يقول : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً « 1 » . . ولكن اليهود - رغم حذقهم ومهارتهم في الاحتيال والتّملّق ، ورغم قدرتهم على التأثير في البيئة التي يعيشون فيها - لم يستطيعوا أن يستميلوا العرب إليهم ، بل ظلّ هؤلاء بعيدين عنهم ، وعن دينهم . . . ولعلّ الصفاء الذهني عند العربي الذي منحته إيّاه الصحراء ، قد أغناه بحصانة ضد الاحتيال والرياء ، فقبع بعيدا عن أناس عرف أنهم لا يطيب لهم عيش إلا بمزاولة استغلال الآخرين . . . ولعلّ اعتماد العربي على الشجاعة والمواجهة هي التي منعته أيضا من مخالطة اليهود ، بعدما عرف أن دأبهم التحيّل وحبك الدّسائس والمؤامرات . . .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 75 .